متابعة قراءة العجز التجاري الأمريكي في السلع ينخفض في فبراير، لكنه ظل قرب مستويات قياسية
الأرشيف الشهري: مارس 2022
مخاوف الطلب والإغلاقات بسبب كورونا تضغط على أسعار النفط
الشركات الأميركية تعيد شراء الأسهم بكميات قياسية
تراجع أسعار الذهب أكثر من واحد في المئة
وزير الطاقة الإماراتي: السوق بحاجة للنفط الروسي
توقف موجة ارتفاع لنيكي استمرت تسعة أيام وخطوة بنك اليابان تحد من الخسائر
قنبلة بوتين الاقتصادية بوجه الغرب… وداعاً لعصر الـ”بترو دولار”؟
فيتاليك بوتيرين مطور إيثريوم يدق ناقوس الخطر بشأن العملات المشفرة
ضحايا الحرب وثمنها
في الوقت الذي تتعلق فيه الأبصار متابِعةً المأساة الإنسانية في أوكرانيا على الشاشات، ويتساءل فيه الناس عن موعد لنهايتها، يتساقط أبرياء قتلى بلا ذنب، فتحصر أعدادهم سجلات متضاربة الأرقام وفقاً للمصدر. فبعد عشرة أيام من اندلاع الحرب بلغت أرقام الضحايا 2000 من المدنيين الأوكرانيين و1500 من المقاتلين، بينما سقط من الجانب الروسي 498 مقاتلاً وفقاً لمصادر حكومية وأربعة أمثال هذا العدد إذا صدقت المصادر الأميركية.
ومع استمرار الحرب سيزداد أعداد القتلى والمصابين وستتضارب الإحصاءات في رصدها لأعداد المفقودين، وستظل الأرقام على سبيل التقريب شأنها في ذلك شأن إحصاءات أخرى متجاهلة ما وراء الرقم من فداحة الخسارة للإنسانية وأسر الضحايا وذويهم وما تتركه في نفوس من عاش بعدهم من فقدان لا يعوض وجروح لا تبرأ. هذا فضلاً على الملايين من المهجّرين داخل بلادهم جراء القصف، واللاجئين خارجها بعدما دمرت ديارهم التي كانوا فيها آمنين فلبثوا بعدها مشردين تُجمع لهم معونات بمناشدات خاصة للأمين العام للأمم المتحدة لجمع 2.6 مليار دولار باعتبارها إغاثة إنسانية عاجلة.
وعن ضحايا الحرب، تحدث رئيس الاتحاد السوفياتي السابق جوزيف ستالين بمقولته الشهيرة «بأن موت مليون إنسان هو مجرد رقم إحصائي أما موت إنسان واحد فهو مأساة»، وفي عهده إبان الحرب العالمية الثانية فقدت بلاده 27 مليون إنسان من المدنيين والعسكريين من إجمالي ضحايا الحرب التي قضت على ما يتراوح بين 70 و85 مليون إنسان، بما يعادل 3 في المائة من سكان العالم في الأربعينات من القرن الماضي. أعداد من القتلى حقاً بالملايين كما قال ستالين، ولكنها ملايين من حالات لمآسٍ إنسانية ليست مجرد إحصاءات.
يخبرنا تاريخ الحربين العالميتين، أن أوبئة وأمراضاً معدية سريعة الانتشار قد أعقبت كلتا الحربين، ولكن هذه الحرب على أوكرانيا تأتي على عالم أنهكت اقتصاده نوائب وأزمات متتالية منذ عام 2008، فلا يكاد يتعافى من واحدة إلا عاجلته أخرى ليظل مترنحاً متخبطاً. وها هي حرب غاشمة لا مبرر لها وإن كثرت التفسيرات، المقنعة حيناً والمتهافتة أحياناً، لمسبباتها. حرب هي الأكبر في أوروبا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية في عام 1945، وهي الأخطر في تداعياتها على ما تبقى من النظام العالمي الذي أرست أسسه دروس ويلات الحرب والسعي للاستفادة من عوائد السلام.
وإن كان من شر البلايا ما يضحك من هذه الحرب التي أتت فبدلت اهتمامات الناس بين عشية وضحاها، وكأن جائحة لم تكن! بما دعا النكات تنتشر ساخرة عن فوز الرئيس الروسي بوتين بجائزة نوبل في الطب «لإنجازه في القضاء التام على جائحة كورونا». وحتى لا يصرفنا الهزل عن الواقع، فـ«كورونا» ومتحوراتها ما زالت تعيث في صحة الناس إهلاكاً وتهديداً بعدما أصابت ما يقترب من 450 مليون إنسان في عامين، منذ الإعلان عنها كجائحة من قبل منظمة الصحة العالمية في شهر مارس (آذار) من عام 2020. وقد ذهب أكثر من 6 ملايين من البشر ضحية للجائحة، وما زالت تهدد بشرورها من لم يتحصل على الوقاية منها، خاصة في أفريقيا وكذلك آسيا التي ما زالت بعض دولها تلجأ إلى إجراءات للتباعد الاجتماعي وإغلاق للمنشآت.
ولهذه الحرب آثار وتبعات اقتصادية، أوجزها فيما يلي:
أولاً، زيادة ارتفاع أسعار اشتعالاً، فقبل الأزمة الأوكرانية كان 44 في المائة من الاقتصادات المتقدمة و71 في المائة من البلدان النامية تشهد ارتفاعاً لمعدلات التضخم تزيد على 5 في المائة، ولكن مع ارتفاع أسعار الطاقة والغذاء، خاصة القمح مع زيادة تكلفة النقل والتأمين سيزداد التضخم حدة، خاصة في البلدان النامية.
ثانياً، اعتماداً على طول فترة الحرب وتأثيرها على إمداد أوروبا بالغاز الروسي كمصدر للطاقة يتجاوز 50 في المائة من إجمالي استهلاك بعض دولها ستتراجع معدلات النمو الاقتصادي والتشغيل، وقد يتحول هذا التراجع إلى ركود في أوروبا وتراجع أكبر في النمو العالمي المقدر حالياً بنحو 4.4 في المائة بعدما كان 5.9 في المائة في العام الماضي.
ثالثاً، طبيعة التضخم المتأثر باضطراب جانب الإنتاج والعرض لا تفلح في القضاء عليه ارتفاعات سعر الفائدة ومع احتمال تراجع النمو وعودة مخاوف الركود التضخمي سيؤدي إلى مراجعة السياسات النقدية التي كان مخططاً لها بمعنى أن الاتجاه لرفع أسعار الفائدة من البنوك المركزية الرئيسية سيظل قائماً، لكن ليس بالسرعة والارتفاع اللذين كان يعد لهما قبل الحرب. وسيلجأ في هذه الأثناء لإجراءات تحرك جانب العرض وتحفيز الإنتاج أكثر من تحجيم جانب الطلب.
رابعاً، فيما يتعلق بالتجارة الدولية ستعود المطالب لتنويع مصادر الاستيراد وإعادة تشكيل خطوط الإمداد العالمية وعدم الاعتماد على مصادر للسلع الأساسية، بما في ذلك الطاقة تشوبها مخاطر جيوسياسية عالية، كما سيعجل ذلك بالاستثمار في مصادر الطاقة البديلة مغلبة باعتبارات الأمن القومي، وليس التكلفة والعائد فقط. كما ستراجع سياسات إغلاق المحطات النووية التي تعجلت فيها بعض الدول الأوروبية بعد حادث فوكوشيما، بعد الإعصار الذي ضرب اليابان في عام 2011.
خامساً، ستزداد احتمالات التعثر في سداد الديون جراء زيادة التضخم وتراجع النمو وارتفاع تكاليف الاقتراض، بما يؤكد المخاطر التي أشرنا إليها من قبل والمرتبطة بما يعرف بالموجة الرابعة للديون الدولية، والتي يعترض كفاءة التعامل معها قصور نظم تسوية المديونية وإعادة هيكلتها، خاصة في ظل التوتر السياسي الدولي والاستقطاب الشديد من جراء الحرب الراهنة والنزاعات التجارية بين القوى الاقتصادية التقليدية والصاعدة.
سادساً، ستثقل موازنات الدول بتكاليف إضافية في بنود الإنفاق العسكري والدفاع عن الأمن السيبراني لشبكات ونظم المعلومات، وقد أعلنت دول أوروبية عدة زيادة إنفاقها العسكري لأكثر من 2 في المائة من الناتج المحلي، بما في ذلك من آثار على أعباء الموازنات العامة وأولوياتها.
سابعاً، ما جرى من «تسليح للأدوات والآليات المالية» ستكون له عواقبه، بغض النظر عن الاتفاق أو عدمه على مقاصده المعلنة من فرض عقوبات اقتصادية للضغط لإنهاء الحرب. فتجميد أرصدة البنك المركزي الروسي من الاحتياطي النقدي سيجعل دولاً أخرى تعيد النظر في اتباعها لمنظومة تكوين احتياطي دولاري للتوقي من مخاطر تقلب موازين المدفوعات باحتفاظها بأرصدة دولارية بعائد منخفض ظناً منها بأنها مقابل خطورة منخفضة وسيولة عالية، وهو ما تبين خطأه الفادح في حالة روسيا في ظروف الحرب. كما يأتي استخدام نظام الرسائل المعتمد بين المؤسسات المالية في تحويل الأرصدة المالية المعروف اختصاراً بـ«سويفت»، يأتي استخدامه للمرة الثانية ضد روسيا ليعجل من تأسيس بديل كانت شرعت فيه بعض البنوك المركزية بعد تبينها مخاطر تكنولوجية في استخدامه، فضلاً عن المخاطر السياسية. هذان بعدان استجدا في مخاطر النظام النقدي الدولي وتسييسه، بل وتسليحه في إطار الحرب الدائرة وسيكون لذلك ما بعده.
يخبرنا التاريخ أن لكل حرب نهاية، ولكن قبل أن تصير ذكرى أو أوراقاً في سجل الزمن تصحب نهايتها المآسي الإنسانية، تماماً كما وصفها الشاعر الفلسطيني المبدع محمود درويش:
«ستنتهي الحرب
ويتصافح القادة
وتبقى تلك العجوز تنتظر ولدها الشهيد
وتلك الفتاة تنتظر زوجها الحبيب
وأولئك الأطفال ينتظرون والدهم البطل
لا أعلم من باع الوطن
ولكنني رأيتُ من دفع الثمن!»
د. محمود محيي الدين
هل من أمل للمودعين اللبنانببن بالحصول على اموالهم؟
عندما أبلغ بنك لبناني عارف ياسين بأنه أغلق حسابات بقيمة 20 مليون $تخص النقابة المهنية التي يرأسها وأصدر بدلا من ذلك شيكا بخُمس القيمة الاسمية للحسابات، رفع نقيب المهندسين الأمر إلى المحكمة.
فهذه الأموال، التي تم توفيرها من اشتراكات المهندسين وأُودعت في فرنسبنك، مخصصة للرعاية الصحية والمعاشات التي تغطيها النقابة لحوالي 100 ألف شخص يواجهون الآن خطر فقدان شريان للحياة في بلد يعصف به انهيار اقتصادي منذ ثلاث سنوات.
وقال ياسين “هذه أموال تكونت من اشتراكات المهندسين والانتسابات والرسوم النسبية يا اللي بتيجي من أعمال المهندسين عبر سنوات طويلة. وهذه حقوق للمهندسات والمهندسين. وبما أنه تراجعت الأعمال عموما، بالتالي أصبح بدون مبالغة استعادة مدخرات وأموال نقابة المهندسين من البنوك مسألة حياة أو موت للمهندسين عموما”.
وقال فرنسبنك إن قواعد السرية المصرفية تقتضي ألا يسمح البنك بالكشف عن معلومات حول العميل.
وفشلت النخبة الحاكمة حتى الآن في وضع خطة للتعافي لمعالجة الانهيار المالي الذي تعاني منه البلاد منذ أواخر 2019، وتتفاقم الأزمة الآن في المحاكم بين المودعين والبنوك.
وانطلاقا من الشعور بالخوف على مدخرات حياتهم، يقاضي مزيد من أصحاب الحسابات البنوك على أمل الحصول على أموالهم. ويقول محامو المودعين إن المزيد من البنوك تقوم، ردا على ذلك، بإغلاق الحسابات وإصدار شيكات دون استشارة العملاء.
ولم يتفق الساسة الحاكمون بعد على طريقة للتصدي للخسائر المالية الفادحة التي تكبدها النظام المالي عندما انهار الاقتصاد تحت وطأة الديون المتراكمة على مدى عقود من الفساد والمحسوبية وسوء الإدارة.
ولم يقروا أيضا قانونا لمراقبة رأس المال للتصدي لما يصفه البنك الدولي بأنه أحد أسوأ موجات الانهيار المالي في العالم على الإطلاق. ومن شأن مثل هذا القانون أن يضمن معاملة عادلة للمودعين.
ولا يزال أكثر من 100 مليار دولار محتجزة في البنوك اللبنانية، وتتزايد المعارك القضائية للوصول إلى أي أموال ما زالت باقية في النظام المصرفي.
وفي واحدة من أبرز القضايا، حكمت محكمة في لندن لصالح مدخر يسعى للحصول على 4 ملايين دولار مودعة لدى بنك عودة وبنك سوسيتيه جنرال في لبنان.
* لا يريدون الدفع
تقول البنوك، التي تطالب بقانون لمراقبة رأس المال، إن الحكم الصادر في لندن يترتب عليه ضعف السيولة الباقية للمودعين الأقل حظا الذين لا يستطيعون القيام بمثل هذا الإجراء.
قال فؤاد دبس، الشريك المؤسس لاتحاد المودعين، الذي يضم محامين ونشطاء، إن صغار المودعين هم الأشد تضررا.
ورفع الاتحاد حوالي 300 دعوى بالنيابة عن مدخرين في لبنان والخارج منذ 2019. وتشمل الدعاوى قضايا طلب تحويل أموال وإعادة فتح حسابات مغلقة. لكنه قال إنه لم يتم البت لصالح المودعين سوى في 12 قضية فقط.
وقال دبس “إنهم يغلقون ببساطة حسابات الناس لأنهم لا يريدون رد أموالهم.. وهم يفعلون ذلك بصورة أكثر تكرارا لأنهم لا يرون أن هناك هيئة تنظيمية تقف ضدهم”.
وتبدي الحكومة قلقا متزايدا بشأن الأحكام المؤيدة للمودعين وأوامر محاكم أخرى بتجميد أصول بعض من أكبر البنوك اللبنانية بينما يحقق قاض في معاملاتها مع البنك المركزي.
وقال رئيس الوزراء نجيب ميقاتي “أنا بس بانتهز ها المناسبة وأقول ما ننبسط بالحجوزات يا اللي عم بتصير على المصارف والحركات يا اللي عم بتصير على المصارف لأنه هو من عم بيقوم بها الدعاوى هن كبار المودعين وبالتالي إذا حطوا أيدهم على المصاري ما راح يبقى شي للصغار”.
ويتهم كثير من المودعين النخبة الحاكمة في لبنان بأنهم يبذلون جهودا لحماية الأثرياء والبنوك التي يرتبط بعضها بسياسيين كبار بصفتهم مساهمين فيها أكبر من الجهود التي يبذلونها لحماية أصحاب الحسابات الصغيرة.
قالت دانا تروميتر، وهي مخرجة أفلام تبلغ من العمر 48 عاما وتعيش في بريطانيا، إن “النخبة تقوم على الدوام بتحويل الأموال إلى الخارج” مضيفة أن “الأشخاص العاديين” لا يحظون بنفس المعاملة.
* ليس عدلا
بالرغم من أن معظم المدخرين يعجزون عن الوصول إلى أموالهم، إلا أن عدم وجود قانون لمراقبة رأس المال يعني عدم وجود سبب قانوني لوقف التحويلات. وقال مصدر مطلع إن بعض البنوك حولت أموالا لسياسيين وحلفائهم.
ولم ترد جمعية مصارف لبنان على الفور على طلب للتعليق. وتقول البنوك إنها تسعى إلى معاملة جميع المودعين بإنصاف وتقصر معظم التحويلات على الاحتياجات الأساسية، مثل التعليم والرعاية الصحية.
ورفعت دانا دعوى قضائية قبل عامين في لبنان للوصول إلى مدخرات تقاعد والدتها المحجوزة في البنك، لكن دون جدوى.
قالت “هذا ليس عدلا”، وأضافت أن والدتها “لا تستطيع حتى الحصول على أقل القليل من البنك لمساعدتها في كل يوم.. تشتري فحسب الضروريات اليومية”.
وقال المحامي علي زبيب إن المعدل المتسارع لإغلاق الحسابات في البنوك ربما يكون سببه الحكم الذي صدر في لندن لصالح رجل الأعمال البريطاني فاتشي مانوكيان، الذي كان يقدم المشورة له.
أضاف زبيب “ربما تهدف البنوك بالتالي إلى منع تكرار نفس الموقف من خلال إغلاق الحسابات بشكل استباقي”.
وقال دبس إن أكثر من 50 مودعا بريطانيا على اتصال منذ صدور الحكم لأن حساباتهم أُغلقت من جانب واحد، أو لأنهم يخشون من إغلاقها.
وأضاف أن معظمهم لديهم حسابات في بنكي بلوم وعودة.
وقال المستشار القانوني لبنك بلوم إن البنك أغلق بعضا من حسابات اللبنانيين والأجانب خلال الأزمة، وإن العقد الذي يوقعه العملاء يمنح البنك الحق في إغلاق الحسابات من جانب واحد دون إشعار مسبق.
وقال البنك إن بعض الحسابات المغلقة كانت لمواطنين أو مقيمين بريطانيين وإن بعض الحسابات أُغلقت منذ حكم لندن.
وقال بنك عودة، الذي لم يعلق على هذا التقرير، بعد حكم لندن إنه يطلب من المقيمين في المملكة المتحدة تطبيق الشروط السارية على كل من يفتح حسابا جديدا، بمعنى أنه لن تكون هناك تحويلات دولية أو سحب نقدي. وقال البنك إنه سيغلق الحساب في حالة عدم قبول ذلك.
قال كريم ضاهر، رئيس لجنة حقوق المودعين في نقابة المحامين في بيروت، إنه يتلقى مكالمات منتظمة من مودعين يشعرون بالانزعاج ويجدون صعوبة في الوصول إلى جزء فقط من أموالهم.
وأضاف “هؤلاء الناس يخصصون أموالا للتقاعد، ولإرسال أطفالهم إلى المدارس والجامعات.. هذا وضع كارثي”.
من يدفع البلد الى «التصحُّر» المالي؟ ولماذا؟
المواجهة بين بعض القضاء والقطاع المالي، كادت ان تتحوّل مواجهة بين السلطة التنفيذية والسلطة القضائية. والمفارقة في هذا المشهد ان الظالم، يسعى لكي يكون وسيطاً وحكماً بين المظلومين المتناحرين، بدلاً من ازالة أسباب الظلم، من خلال تحمُّل مسؤولية ما جرى، ومسؤولية تنظيم الانهيار بانتظار الفرج.
لم يعد ما يجري اليوم مرتبطاً بالقانون ومندرجاته. وقد لا يكون مهماً الاستفاضة في قراءة ما يجري استناداً الى معطيات تؤكد أو تنفي انّ ما يصدر من قرارات عن بعض القضاء مسيّسة، وتخدم مصالح أطراف سياسية ورغباتها، ام لا. بل ان الخطير والمهم في ما يجري، انه سيؤدّي الى تعميق مأساة اللبنانيين، ويدفع البلد نحو «التصحّر» المالي، بحيث يصبح مشهد اليمن السعيد حاضراً في الأذهان. والمقصود هنا بلد بلا مصارف، وبلا ايرادات، وممتنع عن دفع ديونه، وعاجز عن تنظيم الانهيار، وينفق ما تبقّى من رصيد مالي، وسيادته منقوصة ودولته غير موجودة عملياً. وبذلك نكون قد اجتزنا المسافة التي تفصلنا عن الدولة الفاشلة، التي تنتظر المساعدات لخفض منسوب الجوع. ولولا الجناح الاغترابي المميز، لأمكَن الجزم بأن المشهد الشعبي بعد فترة قصيرة سيكون شبيهاً بمشهد المجتمعات التي كان اللبناني يتعرّف إليها فقط من خلال الاخبار والشاشات، وكان يعتبر انها في مكان بعيد جداً عنه، قد يعنيه التعاطف معها، لكن لا يعنيه أن يقلق من التعرّض لمثلها في يوم من الأيام.
بصرف النظر عن التسييس في بعض الاجراءات القضائية، وهو أمر معروف وليس جديداً على اللبنانيين، فإنّ المسؤول عن الشواذات والمظالم والاجراءات التي قد تقضي على اي أمل بالوقوف مجددا في المدى المنظور، هي الدولة اللبنانية بكل مكوناتها، وبما فيها السلطتين التشريعية والتنفيذية. وتضمّ اللائحة المتآمرين الراغبين عن سابق تصور وتصميم في الوصول الى هذا الدرك، والاغبياء الطامعين بالسلطة ويعتقدون انهم يمارسون حقهم السياسي المشروع. وما تحاول الدولة ان تقوم به اليوم، كان مطلوبا منها منذ تشرين 2019، لكنها تكتفي منذ ذلك التاريخ بالوقوف متفرجة.
ما هي المخاطر التي نتّجه اليها، في حال استمر الوضع على فوضويته، والتي يختلط فيها السياسي بالقضائي بالمصالح الانتخابية، والمصالح الرئاسية وربما بمخططات القضاء على هوية البلد بالكامل؟
اولاً – إنهيار اضافي في القطاع المالي برمته، بما يعني الانتقال من دولة لديها على الأقل بنية تحتية جاهزة لاعادة احياء القطاع المصرفي في اطار خطة للانقاذ الشامل، الى دولة فاشلة دمّرت بنيتها المالية من أساساتها، وصارت في مكان آخر لا علاقة له بلبنان الذي نعرفه.
ثانياً – اكتساب صفة الدولة الفاشلة بحيث يصبح التعاطي معنا من منطلق الوصاية اذا سمحت الظروف بذلك، او الاهمال وتركنا لمصيرنا، خصوصا اذا «نجحنا» في اغلاق كل الطرق التي تسمح باستخراج الغاز والنفط من مياهنا.
ثالثاً – تسريع إفراغ البلد من كل مقدراته وكادراته البشرية، خصوصا ان الانهيار الاضافي الذي نتّجه اليه قد يقود الى غياب ما تبقى من خدمات خجولة لا تزال قائمة، وتسمح لبعض الكادرات بالعمل «اون لاين»، لإدخال العملات الصعبة والمساهمة في الصمود النسبي للوضع الاقتصادي والمعيشي.
ولا بد من طرح السؤال التالي: اذا كانت «الدولة» هي المسؤولة الرئيسية عن الانهيار وعن الافلاس الذي وصل اليه البلد وأعلنته الحكومة رسمياً في آذار 2020، فمن المسؤول عن السقوط الحر الذي يتعرض له اللبنانيون منذ ذلك التاريخ حتى اليوم، وهو مستمر؟ من سيتحمّل مسؤولية هدر حوالى 20 مليار دولار من العملات في مصرف لبنان منذ بداية الأزمة؟ ومن سنسأل غداً عن مصير الـ13,5 مليار دولار (الاحتياطي الالزامي + حقوق السحب الخاصة من صندوق النقد) عندما تنضب ويبدأ البحث عن بديل لمواصلة الهدر، والأرجح ان الدور سيكون على احتياطي الذهب؟
الحكومة التي اجتمعت وشعر رئيسها بالغضب لغياب أركان السلطة القضائية عن حضور الاجتماع، أوليست هي المسؤولة عن دعم الليرة اليوم من دون خطة واضحة لتبرير الأسباب وتحديد الأهداف، وقد نفاجأ غداً بأنه لم يبق في خزائن المركزي ما يسدّ رمق الجائعين؟