أسوأ أداء اقتصادي لمنطقة اليورو منذ 2013

حقق اقتصاد منطقة اليورو الأوروبي نموا يكاد يذكر في نهاية عام 2019، حيث وقعت انكماشات اقتصادية غير متوقعة في فرنسا وإيطاليا أسفرت عن أضعف أداء اقتصادي مسجل منذ أكثر من سبع سنوات.
ويعتبر الركود المفاجئ في اثنتين من كبريات الدول في المنطقة الأوروبية ضربة موجعة جديدة لحكومات هاتين الدولتين. ويتعرض الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لانتقادات شديدة بالفعل في بلاده في خضم الاحتجاجات واسعة النطاق على إصلاحات المعاشات التقاعدية المثيرة لكثير من الجدل، في حين أن الائتلاف الحكومي الهش في إيطاليا يعاني منذ فترة ليست بالقصيرة من مناوشات داخلية.
وسجل الناتج الإجمالي لمنطقة اليورو ذات الـ19 دولة ارتفاعا بنسبة لم تتجاوز 0.1 في المائة خلال الربع الأخير من عام 2019 الماضي، هبوطها من نسبة 0.3 في المائة المسجلة في الفترة السابقة، وشهد معدل التضخم الأساسي تباطؤا ملحوظا في يناير (كانون الثاني) الحالي حتى أضعف مستوياته المسجلة خلال ثلاثة أشهر. وتقلص الاقتصاد الفرنسي بنسبة 0.1 في المائة، كما سجل الاقتصاد الإيطالي تراجعا بنسبة 0.3 نقطة مئوية. وكانت الحكومة الألمانية قد أعلنت عن تسجيل نمو طفيف في نهاية عام 2019، ومن المقرر أن تصدر البيانات الرسمية خلال الشهر المقبل.
ومن المنتظر لسحابة القتامة الاقتصادية أن تنقشع قريبا. إذ تشير استطلاعات الرأي إلى أن الأوضاع السيئة في طريقها إلى التوقف في الآونة الراهنة. وصرح البنك المركزي الأوروبي بأن المخاطر بشأن التوقعات الاقتصادية قد أصبحت أقل وضوحا عما سبق، مع ورود إشارات جديدة يوم الخميس الماضي تعكس تحسن الزخم العام مع إعلان المفوضية الأوروبية عن ارتفاع ملحوظ في المعنويات خلال شهر يناير، يتصدره قطاعا الصناعات التحويلية والتشييد والبناء.
رأي خبراء الاقتصاد في شبكة «بلومبرغ»: «من المقرر لزخم النمو الاقتصادي أن يشهد ازديادا ملحوظا في عام 2020 بما يعكس قدرا أقل من المخاطر الناجمة عن الاقتصاد العالمي. وشهدت حدة التوترات التجارية ما بين الولايات المتحدة الأميركية والصين حالة من الهدوء مع تجنب السيناريو الأسوأ الذي كان متوقعا من مغادرة بريطانيا لعضوية الاتحاد الأوروبي. وإننا نشهد نموا فصليا راهنا بمقدار 0.3 نقطة مئوية خلال عام 2020».
ومع ذلك، من شأن التقارير الواردة أن تعيد إلى الأذهان الدعوات المطالبة بالمزيد من الإنفاق من قبل البلدان التي تملك قدرات مالية كبيرة، على غرار ألمانيا. وكان البنك المركزي الأوروبي قد دعا مرارا وتكرارا إلى اتخاذ الإجراءات المناسبة، كما يخطط الذراع التنفيذية لدى الاتحاد الأوروبي إلى نشر وثيقة خلال الأسبوع المقبل تؤكد أن القواعد المالية في منطقة اليورو تتسم بقدر كبير من التعقيدات.
وسجل العائد على الديون في سندات السنوات العشر الألمانية تراجعا في الأيام الأخيرة وسجل هبوطا لما دون 0.4 نقطة مئوية، وذلك للمرة الأولى منذ ثلاثة أشهر. وتغيرت وضعية اليورو بصورة طفيفة وقوفا عند مستوى 1.1031 دولار في تمام الساعة 11:57 من التداولات الصباحية بتوقيت فرانكفورت يوم الجمعة الماضي.
وعادت المخاطر التجارية لتطل برأسها من جديد مع تجديد الولايات المتحدة الأميركية تهديداتها الأسبوع الماضي بزيادة الرسوم الجمركية المفروضة على واردات السيارات القادمة من الاتحاد الأوروبي، وفرنسا، في محاولة لتجنب الرسوم الجمركية الأميركية الأخرى على الكحوليات والجبن في خضم النزاع القائم على الضرائب الرقمية المقررة لدى بعض بلدان الاتحاد الأوروبي. وكانت الولايات المتحدة قد سجلت أكبر انخفاض في الواردات منذ عام 2009، وثارت المخاوف الجديدة بشأن تفشي فيروس كورونا مع الضربة القوية المتوقعة للنمو الاقتصادي الصيني والعالمي.
وأعربت إحدى كبريات الشركات الفرنسية عن مخاوفها بشأن آثار تفشي فيروس كورونا على أعمالها في الصين، وأسقطت توجيهاتها بذلك الشأن لهذا العام. وأوقفت أغلب شركات الطيران – بما في ذلك شركة لوفتهانزا الألمانية – رحلاتها إلى الصين، مع توقعات من شركة صناعة المصاعد الفنلندية «كون» أن تسجل تراجعات هائلة مع إغلاق المصانع المملوكة لها في الصين.
وألقى وزير المالية الفرنسي برونو لو ماري باللائمة في نتائج اقتصاد بلاده الضعيفة على الاضطرابات المستمرة التي يشهدها قطاعا الموانئ والسكك الحديدية والنزاعات بشأن الوقود، وسلط الأضواء على الاستهلاك المرن مع تشجيع الاستثمار التجاري في البلاد.
ومن أبرز النقاط المضيئة في القارة الأوروبية حاليا هي إسبانيا، حيث انتبهت الحكومة الإسبانية إلى المزيد من الأدلة على أن الاقتصاد المحلي هو أحد أكبر محركات الأداء المتفوقة في القارة الأوروبية. ونجم النمو الاقتصادي الإسباني بأكثر من المتوقع بنسبة 0.5 نقطة مئوية عن الصادرات القوية مع الزيادة الملحوظة والقوية في الخدمات.

الاقتصاد العالمي في ظل انتشار الفيروسات الجديدة

تمتلك الصين مجموعة أدوات أكبر وأكثر تطوراً لمكافحة أي تباطؤ اقتصادي ناتج عن انتشار فيروس كورونا مقارنة بعام 2003 عندما حاربت فيروس «سارس» الذي انتشر كالوباء، لذلك فإن للتحدي للجديد خلفية بالغة التأثير على الصعيدين المحلي والخارجي، خاصة فيما يخص استجابة بكين وطريقة تعاملها معه.
من الصعب أن تقييم حجم الأضرار لأن الوضع لا يزال في طور الاستكشاف، ومن المرجح أن يخفض مؤشر «بلومبرغ الاقتصادي» من توقعاته لنمو الصين في الربع الأول عند نسبة 5.9 في المائة. عندما اشتد وباء «سارس» – ويعني المتلازمة التنفسية الحادة – في الربع الثاني من عام 2003، تراجع النمو في الصين الى 9.1 في المائة مقارنة بنسبة 11.1 في المائة في الأشهر الثلاثة السابقة.
يبدو أن المشكلة قد أخذت في التخمر فيما وراء الشواطئ الصينية أيضاً. ففي ظل الحروب التجارية وتصاعد حدة التوتر بين إيران والغرب وتراجع التركيبة السكانية، كان هناك العديد من التحديات. فصندوق النقد الدولي يخطط لنسبة نمو تبلغ 3.3 في المائة العام الجاري مقارنة بنسبة 2.9 في المائة عام 2019. ومع ذلك، فقد توقفت تلك النسبة عند حدود 3.4 في المائة قبل بضعة أشهر فقط. لكن في عام 2003، نما الاقتصاد العالمي بأكثر من 4 في المائة واقترب من 6 في المائة عام 2007.
لقد تغيرت الصين بشكل كبير في السنوات السبع عشرة الماضية. ولمن لا يعرف، يبلغ حجم اقتصادها حوالي ثمانية أضعاف حجمها. وإن أردنا المزيد من التفاصيل، فقد تطورت العناصر الرئيسية لأطر السياسة النقدية والعملات، والبلاد لديها سعر صرف أكثر مرونة، في حين أن البنك المركزي لا يزال يدير تعاملاته المحلية بعملة اليوان، فقد تم تحديد سعر الصرف على أساس 8.3 إلى الدولار لعقد كامل حتى يوليو (تموز) 2005. علاوة على ذلك، فإن بنك «الشعب» الصيني يستخدم مجموعة من المعادلات لإدارة تكاليف الاقتراض. في عام 2004، كان إجراء ثورياً الى حد بعيد أن ترفع الصين أسعار الفائدة، وهو إجراء لم يتم تطبيقه كأداة للإدارة الاقتصادية منذ تسع سنوات.
تسمح هذه التغييرات بتحولات السياسة على نحو أكثر تواتراً. ففي مواجهة الحرب التجارية والاقتصاد المحلي البارد، بدأ بنك «الشعب» الصيني عام 2020 بإعلان بيان نوايا بخفض البنك المركزي لنسبة الاحتياطي المطلوبة للمقرضين بمقدار نصف في المائة، وهي الأحدث في سلسلة من التخفيضات. ويشير ذلك إلى أن المسؤولين الصينيين كانوا يهدفون إلى تعزيز السيولة في القطاع الخاص قبل اندلاع فيروس كورونا في مقاطعة ووهان بفترة طويلة. قد يؤدي الضرر الناجم عن الفيروس الى أن يرفع البنك المركزي يده.
ومع ذلك، فإن عبء ديون الشركات الخطرة في الصين يمكن أن يظل عقبة. فعلى مدار العام الماضي، أدت المخاوف من أن تخفيض سعر الفائدة بشكل قياسي قد يؤدي إلى عدم وصول القطاع الخاص إلى منع بنك الشعب الصيني من العمل، على الرغم من التوقعات بأن هذا قد يحدث. ويظل سؤالاً مفتوحاً ما إذا كانت السياسة النقدية الأسهل في الصين سوف تتدفق بسلاسة إلى باقي اقتصاديات العالم. وقد بدأت العديد من الشركات المتعددة الجنسيات بالفعل في نقل سلاسل التوريد الخاصة بها نتيجة للحرب التجارية.
عندما اندلع فيروس «سارس» كانت الصين لا تزال في أوج تلألؤها بدخولها منظمة التجارة العالمية في أواخر عام 2001. بعد ست سنوات، وصل النمو إلى ذروته بنسبة 15 في المائة. تعجب المديرون التنفيذيون والمسؤولون في جميع أنحاء العالم من اقتصاد الصين وبراعة بكين في اتخاذ القرارات. كانت العولمة لا تزال في حالة رواج، وأصبحت الصين اختزالاً لعالم آخذ في الاستقرار. قليلون تجرأوا على الإساءة إلى بكين، ناهيك عن فرض رسوم جمركية، فقد روعت فكرة الحرب التجارية إدارة الرئيس جورج بوش. كانت الدبلوماسية الاقتصادية الأميركية تسير في اتجاه تشجيع وزارة الخزانة لأن تقول للصين: من فضلك اِنهِ ربط اليوان الثابت بالعملة الأميركية.
كذلك حث الكثيرون ممن أثنوا على الصين على إعادة توازن اقتصادها والتركيز بدرجة أقل على الصادرات والاستثمار وبدرجة أكبر على الاستهلاك، وحدث ذلك التحول إلى حد كبير. لكن الصين أصبحت الآن أكثر عرضة للتغييرات في معنويات الأسر المعيشية – وبالتحديد شريحة الاقتصاد التي ستعاني من تفاقم جديد. منذ أواخر الأسبوع الماضي، تم تقييد السفر وتم كبح أنشطة عطلة رأس السنة القمرية في أجزاء كثيرة من الصين.
والخبر السار هو أن بكين يمكنها نشر المزيد من الأسلحة لمعالجة هذا التباطؤ مقارنة بعام 2003. ولكن بالنظر إلى حجم التغييرات منذ ذلك الحين، فإن هذا قد لا يهم كثيراً. ولن تكون هذه الترسانة فعالة إذا ظل الاقتصاد العالمي، الذي تتغذى عليه الصين وتعتمد عليه، على حاله السابق.

داميال موس.

ازمة لبنان المالية: هل يستمرّ شحّ السيولة بالدولار؟

مع أن رئيس الحكومة حسان دياب وحاكم مصرف لبنان رياض سلامة ورئيس جمعية المصارف سليم صفير يحرصون على «توزيع» التطمينات للمودعين بأن ودائعهم بألف خير وأنه لا نية للمساس بها وموجودة لدى المصارف وليست محجوزة، فإنها لم تسهم في خفض منسوب قلق اللبنانيين على ودائعهم في ظل تصاعد أزمة السيولة التي لن تجد طريقها إلى الانفراج ما لم يحصل لبنان على دعم مالي دولي من شأنه أن يدفع باتجاه إعادة الانتظام للمؤسسات المالية والمصرفية.
وإلى أن يصل هذا الدعم المالي الموعود الذي أخذ يروّج له عدد من الوزراء في الحكومة ، وربما بهدف إشاعة موجة من التفاؤل التي ما زالت في حاجة إلى تدعيمها بمواقف دولية وإقليمية ملموسة، فإن سلامة ينكب حالياً على «شرعنة» الإجراءات والتدابير القسرية التي لجأت إليها المصارف بالتزامن مع انطلاق الحراك الشعبي في 17 تشرين الأول الماضي والتي ألحقت الإجحاف والظلم بالمودعين.
وعلمت «الشرق الأوسط» من مصادر مصرفية وقضائية بأن عدم «شرعنة» هذه الإجراءات سيفتح الباب أمام ملاحقة المصارف قضائياً على خلفية مخالفتها لقانون النقد والتسليف من خلال فرضها القيود على المودعين الذين يودون سحب ودائعهم وتحويلها إلى مصارف في الخارج إضافة إلى عدم التزام معظم المصارف بالتعميم الصادر عن سلامة لجهة حق المودعين في الحصول نقداً على التحويلات التي تصلهم من الخارج بعد 17 تشرين الأول.
ومع أن النيابة العامة التمييزية كانت أوعزت إلى النيابات العامة بعدم تحريك الدعاوى المقامة من المودعين ضد بعض المصارف بتهمة مخالفتها المكشوفة لقانون النقد والتسليف، فإن سلامة سعى إلى قطع الطريق على إقحام المصارف في اشتباك سياسي مع المودعين، وهذا ما طرحه في الاجتماع الأول الذي رعاه رئيس الجمهورية ميشال عون وشارك فيه عدد من الوزراء وسلامة وصفير وغاب عنه في حينه رئيس الحكومة المستقيل آنذاك سعد الحريري وانتدب مستشاره الاقتصادي نديم المنلا للمشاركة فيه.
وتبيّن أن سلامة طرح مسألة «شرعنة» الإجراءات القاهرة التي لجأت إليها المصارف من خلال النظر في تعديل بعض البنود الواردة في قانون النقد والتسليف لمنع الادعاء على المصارف بتهمة مخالفتها القانون، لكن لم يؤخذ باقتراحه بذريعة أن لديه صلاحية بتعديله وأنه يحظى كما قال الوزير آنذاك سليم جريصاتي بغطاء السلطة التنفيذية فيما أبدى الرئيس عون تفاؤله بتجاوز هذه الأزمة العابرة.
وبطبيعة الحال فإن إحالة تشريع الإجراءات على سلامة انسحبت لاحقاً على المجلس النيابي الذي أحجم عن الخوض في هذه المسألة لأنه كما قيل ليس في وارد الانجرار إلى صدام مع المودعين بتوفير الغطاء لإجراءات غير شعبوية. لذلك فإن السلطتين التشريعية والتنفيذية أوكلتا أمرهما في هذا الخصوص إلى سلامة في ظل فقدان النصاب في المجلس المركزي لمصرف لبنان في ظل انتهاء ولاية نواب الحاكم ومفوض الحكومة لدى البنك المركزي.
وفي هذا السياق كان تردد بأن سلامة اشترط منحه صلاحيات استثنائية تجيز له «قوننة» الإجراءات التي لجأت إليها المصارف لمنع ملاحقتها قضائياً، لكنه سارع إلى رفض ما نسب إليه، علماً بأن الملاحقة لا تشمله وتبقى محصورة بالمصارف التي خالفت القانون في مقابل مبادرة سلامة إلى وضع آلية لشرعنة التدابير بعد أن أوكلت إليه مهمة ابتداع المخرج الذي يؤمّن عدم ملاحقة المصارف أمام القضاء اللبناني.
وتردد بأن سلامة أوشك على وضع الإطار العام للتعميم الذي يفترض أن يصدر عنه في بحر الأسبوع المقبل الذي من شأنه أن يشكل خريطة الطريق الواجب اعتمادها من قبل المصارف في تعاطيها مع المودعين إن لجهة تقنين التحويلات المالية من لبنان إلى الخارج استناداً إلى مجموعة المعايير والشروط، إضافة إلى رفع سقف السحوبات شهرياً بالليرة اللبنانية مع الإبقاء على وتيرة الشح في السحوبات بالدولار بسبب استمرار أزمة توفير السيولة بالعملات الصعبة.
وعلمت «الشرق الأوسط» من مصادر مصرفية ووزارية بأن سلامة يستند في التحضير لإصدار تعميمه إلى بندين يتضمنهما قانون النقد والتسليف بعد مراجعته عدداً من المحامين الذين رفعوا إليه توصية أن هذين البندين يسمحان له «شرعنة» التدابير لأمرين، الأول يراد منه توفير الحماية للنظام المصرفي والثاني الحفاظ ما أمكن على استقرار النقد الوطني. إلا أن هناك من ينصح سلامة بضرورة المبادرة إلى تدعيم تعميمه وتحصينه بالتوجّه إلى هيئة التشريع والقضايا في وزارة العدل للوقوف على رأيها في ظل استحالة اللجوء إلى البرلمان باعتباره الممر الإلزامي لتفسير القوانين، لكن الأخير ينأى بنفسه عن الخوض في تفسير القانون. وعليه فإن التعميم المرتقب سيؤمن للمصارف الحماية لمنع ملاحقتها قضائياً وبمفعول رجعي لكن أزمة شح السيولة بالدولار ستبقى عالقة على حصول لبنان على مساعدات دولية ما زالت في إطار التمنيات ولم تترجم حتى الساعة إلى أفعال.
الشرق الاوسط.

هل يتم بيع جزء من الذهب اللبناني ؟

مع تدهور الوضع المالي اللبناني وبلوغه مستويات غير مسبوقة جعلت المسؤولين اللبنانيين يبحثون في إعادة هيكلة أو جدولة الدين العام ووضع خطط بالتعاون مع صندوق النقد الدولي للنهوض باقتصاد ومالية الدولة من جديد، تتجه الأنظار إلى احتياطي الذهب الذي ظل مجرد الحديث عن إمكانية المساس به خلال السنوات الماضية من المحظورات لاعتباره من قبل البعض ضمانة لليرة اللبنانية وثبات سعر صرفها.

وبعد أن كان مجرد الحديث عن بيع كمية من الذهب لسداد جزء من الدين العام من «المحظورات» قبل سنوات قليلة، أصبح اليوم يطرحه بعض الاقتصاديين والمعنيين بالشأن الماليعلى اساس انه حان الوقت للتفكير باستخدام الذهب لإعادة هيكلة الاقتصاد وحماية الناس وحفظ سيادتنا، شرط أن لا نبدده لتسديد الدين ولا لتمويل الهدر وأن يكون ضمن خطة شاملة. والسرال المطروح هو «لماذا لا نبدأ بالذهب في نيويورك وقد يكون ثلث الكمية؟»، وذلك في إشارة إلى كمية الذهب التي يحتفظ بها لبنان في الولايات المتحدة كجزء من احتياطيه.

وأشار النائب السابق لحاكم مصرف لبنان، غسان العياش، إلى أنه «كان الاعتقاد سائداً في الماضي، ولفترة طويلة، بأن احتياطي الذهب ضمانة الليرة اللبنانية وثبات سعرها، وقد يكون ذلك صحيحاً عندما كان حجم الذهب متناسباً مع حجم الكتلة النقدية والناتج المحلي القائم، وعندما كان النظام النقدي العالمي قائماً على التغطية الذهبية للعملات. أما وقد تضخم حجم الكتلة النقدية وأصبحت التغطية بالذهب هزيلة، فلا شك أن احتياطي الذهب لم يعد يشكل ضمانة لليرة على الإطلاق»، لافتا إلى أن «بيع قسم منه بعدما تم التفريط في قسم كبير من الاحتياطات بالعملات الأجنبية، قد يساعد جزئياً في إعادة تكوين الاحتياطي النقدي لمصرف لبنان الذي جرى هدره لتمويل الميزان التجاري والطلب الخاص على العملات الأجنبية». وأوضح العياش في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن «لبنان يحتاج، لكي يخرج من أزمته النقدية، إلى ما يقارب 50 مليار دولار لاستعادة الكتلة المفقودة بالدولار وإعادة رسملة المصارف التي تعرضت رساميلها إلى تآكل بسبب إفراطها في إقراض القطاع العام». وأضاف: «إذا بعنا قسماً من الذهب بنحو 7 مليارات دولار ضمن برنامج إصلاحي شامل، قد يشكل ذلك جزءاً من الحل، وإن كنا لا نزال بحاجة للمصارف».

وللمفارقة فإن لبنان الذي يتصدر قائمة الدول المدينة في العالم نسبة لناتجه المحلي الإجمالي بعد اليابان، بحسب «معهد التمويل الدولي»، هو من بين الدول العشرين الأولى في العالم الأكثر استحواذا على الذهب، كونه يملك نحو 286.6 طن من الذهب بقيمة 16 مليار دولار. وبدأ لبنان تجميع الذهب بعد سنوات قليلة من نيله الاستقلال عام 1943، واستمر حتى عام 1971، ومع اندلاع الحرب الأهلية عام 1975 أرسل لبنان إلى ولاية كنتاكي الأميركية جزءاً من احتياطي الذهب لحمايته، مثلما فعلت الكثير من البلدان الأخرى، وهو لا يزال هناك، ولم تحاول الدولة استعادته طوال السنوات الماضية.

وبحسب دراسة موسعة عن الذهب اللبناني لحركة «مواطنون ومواطنات في دولة»، فإنه محمي بقانون صدر عام 1986 يمنع بيعه أو رهنه، لكن المخاوف هي من عدم سريان القانون اللبناني على الذهب الموجود بالخارج، باعتبار أنه في حال عجزت الدولة عن سداد دينها لحاملي سندات «اليوروبوند» فإن بعض هؤلاء قد يقدمون على رفع دعاوى أمام محاكم نيويورك، ما قد يؤدي إلى وضع اليد على الكميات المحفوظة في الولايات المتحدة، والتي تقدرها الحركة بثلثي الكمية الإجمالية، علما بأنه لا أرقام رسمية حول الموجودات من الذهب في لبنان والكميات التي تم نقلها إلى أميركا.

ويخشى عدد من الاقتصاديين والمعنيين بالشأن المالي من الحجز على احتياطي الذهب الموجود في الولايات المتحدة الأميركية في حال رفع عدد من الدائنين دعاوى على الدولة اللبنانية إذا تلكأت عن سداد ديونها لحاملي سندات اليوروبوند، ويعتبر العياش أن «هذا الأمر وارد لكنه سيخضع في نهاية المطاف لجدل قانوني في محاكم نيويورك، لن نعرف ما ستكون نتيجته». ويضيف: «إذا أعلنا أننا غير قادرين على دفع ديوننا من دون إتمام اتفاق مع الدائنين، فإن الدعاوى ستنهال علينا سواء في الخارج أو في الداخل، لذلك لا أعتقد أن الدولة ستتجه لإعادة الهيكلة أو الجدولة من دون أن تأخذ موافقة الدائنين من خلال عرضها لبرنامج متكامل لحل الأزمة».

ويتفق الخبير المالي والاقتصادي مرون إسكندر مع العياش على وجوب أن يكون أي قرار ببيع قسم من الذهب جزءاً من برنامج متكامل لإيفاء الدين لعام كامل، مشدداً في تصريح لـ«الشرق الأوسط» على أنه «لم يعد يصح الحديث عن احتياطي الذهب كأمر مقدس، لأنه آن الأوان للاستفادة من قسم منه، ولو كان صغيراً». وأضاف: «الاحتياطي اللبناني من الذهب موجود بجزء منه أيضاً في سويسرا، وليس حصراً في لبنان والولايات المتحدة الأميركية. أما المخاوف من حجز الذهب الموجود في أميركا في حال تم رفع دعاوى قضائية على الدولة اللبنانية، فليست في مكانها، لأن ذلك غير موجود في شروط العقد لحاملي سندات اليوروبوند».​

 

عن اقتصاديات العدوى وسياسات الوقاية منها

تتزايد يوماً بعد يوم الأرقام المعلنة عن ضحايا فيروس كورونا المستجد. فالفيروس الخطير، الذي اكتشف مؤخراً في مدينة ووهان عاصمة مقاطعة هوبي الصينية، ما زال في مرحلة انتشاره حتى تتيسر سبل احتوائه والحد من انتقاله وتنجح إجراءات مكافحته على الوجه المأمول. ولم يُعرف بعد علمياً بشكل قاطع مصدر الفيروس المتحور الذي أصاب أعداداً تقترب من ثلاثة آلاف مصاب وقتل ثمانين منهم، وتجاوزت العدوى حدود الصين لتنتقل لأكثر من 10 بلدان أخرى حتى كتابة هذه السطور.
ومقارنة بأزمة مرض «الإيبولا» الذي انتشر في 3 بلدان في غرب أفريقيا في عامي 2014 و2015. ثم مؤخراً في الكونغو الديمقراطية فإن التداعيات الاقتصادية والمالية للفيروس المعدي الجديد أكبر بطبيعة الحال بما يتناسب مع وزن الصين وحجمها كثاني أكبر اقتصاد في العالم والأول في التجارة الدولية. وكما هو معتاد في مثل هذه الحالات التي لم تكن تتوقعها الأسواق، تنخفض أسعار الأسهم بشدة خاصة تلك المرتبطة بتجارة التجزئة والسياحة والسفر، وتنخفض كذلك بورصات السلع، بما في ذلك النفط لتوقع تراجع الطلب، وترتفع أسعار الذهب ويزداد الطلب على سندات الخزانة الأميركية فينخفض عائدها.
وبالنسبة للمستثمرين في الأسواق فهذه صدمة لم تكن في الحسبان. فرغم كثرة التقارير، التي تشارك في إعدادها شركات تأمين كبرى وتم تداولها مع بداية العام الجديد عن توقعات المخاطر العالمية، تجد أن الاهتمام الذي أعطي لمخاطر الأزمات الصحية والأمراض المعدية محدود. ففي تقرير المخاطر العالمية لعام 2020 الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي، بالمشاركة مع مجموعة زيوريخ للتأمين، لا تظهر أزمات الأمراض المعدية في القائمة الأولى للمخاطر التي شملت خمسة وهي تقلبات الطقس الحادة، وفشل جهود مواجهة تغيرات المناخ، والكوارث الطبيعية، وخسائر التنوع البيولوجي والكوارث البيئية. وفي تقرير آخر عن ترتيب المخاطر، أعدته مؤسسة يوراسيا مع مجموعة أكسا للتأمين، تأتي الأوبئة والأمراض المعدية في المرتبة الثامنة للمخاطر المرصودة، بينما تظهر في المراتب الخمس الأولى تغيرات المناخ، وأمن شبكات المعلومات، والتقلبات الجيوسياسية، والاضطرابات والصراعات، وسوء إدارة الموارد الطبيعية.
وإذا كان نصيب المعرفة من توقعات حدوث الأزمات الصحية في المستقبل محدوداً، فالتاريخ يذخر بالتجارب المهمة والدروس والعبر. ففي كتابه المهم عن مصائر المجتمعات البشرية، الصادر بعنوان «أسلحة وجراثيم وصُلب»، رصد العالم الأميركي «جارد دياموند» الحالات السابقة للأمراض المعدية وتفشيها، فتجدها في بدايتها سريعة الانتقال من المرضى إلى الأصحاء بما يجعل المجتمع معرضاً لخطر العدوى، وهي ذات تأثير حاد وعاجل على المصابين بها، ففي خلال زمن وجيز قد يشفى المرضى ويتمتعون بمناعة ضد الفيروس الذي أصابهم أو يلقون مصيرهم.
وتوضح دراسات عما عرف بالإنفلونزا الإسبانية، التي ظهرت مع نهاية الحرب العالمية الأولى وتفشت بين عامي 1918 و1919. عن أنها أصابت ثلث سكان الأرض بدرجات متفاوتة الحدة، وتباينت تقديرات قتلاها بين 21 مليون إلى 50 مليونا من مختلف بلدان العالم نظراً لعدم توفر الأمصال واللقاحات حينها، فضلاً عن تداعيات غياب العلاج بالمضادات الحيوية التي لم تكتشف عندئذ. كما تسبب انتشار الطاعون في أوروبا في القرن الرابع عشر في القضاء على ربع سكانها.
وتسرد وقائع تاريخ الحروب والاستيطان التي قام بها الأوروبيون للأميركتين أن الأمراض المعدية التي حملها الجنود الغزاة معهم كانت أشد فتكاً بالهنود الحمر في أميركا الشمالية والأزتيك في المكسيك والإنكا في بيرو. فقد كانت الميكروبات والجراثيم مهلكة لأهل البلاد الأصليين ومدمرة لمعنوياتهم ومبيدة لأعداد غفيرة منهم إذ لم يكن للأهالي الأصليين، فيما عرف عندئذ بالعالم الجديد، مناعة أو تحصين طبيعي منها. وعندما ذهب هيرناندو دي سوتو وهو أحد المغامرين الإسبان غازياً لمنطقة وادي المسيسبي في عام 1540 في أميركا الشمالية، وجد مدناً مهجورة من سكانها الأصليين سبقته إلى إبادتهم أوبئة أوروبية المنشأ حملتها السفن عبر البحار مع الجنود ومتاعهم.
وكلما تناقلت الأخبار عن تفشٍ لمرض معدٍ تستدعي للذاكرة آثار أمراض معدية ما زالت منتشرة، وتثور المخاوف من أن تنتقل لحالة وبائية تتجاوز موطن الإصابة بها. فهناك على سبيل المثال تقديرات منشورة على موقع منظمة الصحة العالمية تصل إلى أربعة ملايين مصاب بالكوليرا وتتراوح حالات الوفاة بين 21 إلى 143 ألفا سنوياً. كما ترصد المنظمة الأممية حالات وفاة بسبب الإنفلونزا الموسمية تصل لحوالي 650 ألف حالة وفاة سنوياً من إجمالي حالات إصابة شديدة بالمرض تصل إلى خمسة ملايين حول العالم.
وبالإضافة للتأثيرات قصيرة المدى كتقلبات الأسواق فإن هناك تأثيرات أخرى لاحقة تتعلق بما قد تسببه العدوى ومدى سرعة انتشارها أو تحولها لوباء يستوجب إجراءات طوارئ على المستوى الدولي، وهو أمر تحدده منظمة الصحة العالمية وفقاً لمعايير علمية متفق عليها. وفي أي حال، فإن تأثير أزمات الأمراض المعدية يجب تتبعه على محوري العرض والطلب. إذ يتأثر عرض السلع والخدمات بمدى انتظام العمالة وإنتاجيتها، وإجراءات العزل الصحي وإغلاق المحال والأسواق وأماكن الترفيه ومراكز الخدمات. كما يتأثر الطلب سلباً على السلع والخدمات غير الأساسية بينما يزيد على الأغذية والدواء والسلع الضرورية والمطلوب تخزينها. وتتنقل هذه العوامل بتأثيرها من النطاق المحلي إلى الدولي من خلال محاور التجارة والسياحة وانتقال العمالة فضلاً عن الاستثمار الذي سيتراوح موقفه بين الترقب والانسحاب، وفقاً لآجاله وأوعيته واستعداداته للمخاطرة، بما ينعكس سلباً على معدلات النمو الاقتصادي. العبرة بما ستكشف عنه الأيام والأسابيع المقبلة من معلومات ومدى الثقة في القدرة على احتواء الأزمة ومنعها من التفاقم.
وانتفاعاً بالخبرة الدولية في التعامل مع أزمة وباء الإيبولا الأخيرة، ومن قبلها تفشي فيروس السارس التاجي الذي تفشى في عام 2003 في الصين وجنوب شرقي آسيا، وما ترتب عليهما من فقدان في الأنفس وخسائر اقتصادية كبيرة تظهر جليا أهمية الوقاية من الأمراض المعدية والأوبئة. وقد تشكلت لجنة مستقلة بدعم من منظمة الصحة العالمية والبنك الدولي لمتابعة مدى الاستعداد للتعامل مع مخاطر الأوبئة؛ وقد كان التقرير الأخير للجنة مزعجاً ومنذراً بقصور استعدادات المواجهة وعدم الأخذ بتوصيات مواجهة الأوبئة بعد دروس أوبئة الإنفلونزا السابقة وأزمة الإيبولا منذ أربعة أعوام. وقد أوصى التقرير مجدداً باتخاذ إجراءات محددة لتحقيق استعداد مناسب للعالم للتعامل مع الطوارئ الصحية وتداعياتها، وناشدت اللجنة الحكومات تقديم تقارير بما أنجزته بشأن توفير الموارد المالية وأولويات الإنفاق العام وتطوير النظم الصحية العامة وفقاً لتعهداتها الملزمة التي تنظمها اللوائح الصحية الدولية. كما ركزت اللجنة في توصياتها على أهمية التنسيق بين كافة الأطراف المعنية داخل البلدان المعنية، وكذلك مع المنظمات الإقليمية والدولية ومؤسسات التمويل لسد فجوات التمويل والتعامل مع قصور الإمكانات الفنية خصوصاً في الدول الأفقر وتلك التي تعاني من هشاشة أو صراعات.
وفي ظل زيادة التباين في الآراء حول العولمة والنظام الدولي والمؤسسات متعددة الأطراف، فإن الصحة العالمية ووقاية البشر من العدوى لا تحتمل مثل هذا الجدل. فظهور مرض معد في دولة سرعان ما يتحول إلى مصدر لتهديد سكان العالم أجمع، بما يجعل التعاون الدولي ملزماً. كما ينبغي اتباع توصيات منظمة الصحة العالمية سواء في تنفيذ إرشادات الوقاية الصحية على مستوى الأفراد والمجتمعات، أو في تطبيق إجراءات الاستعداد للأزمات الصحية وتفشي الأمراض المعدية عبر الحدود.
وفي هذا العالم الزاخر بالثروات، وإن ساء توزيعها، وجُعل فيه لكل شيء سعر فلعله من المفيد استرجاع مبدأ أساسي للتعامل مع الرعاية الصحية للبشر. فقد استند عن حقٍ الاقتصادي الفرنسي «جون تيرول»، الحائز على جائزة نوبل، لمقولة الفيلسوف «إيمانويل كانت» بأن أي شيء له سعر يمكن استبداله بغيره، أما ما لا سعر ولا بديل له فإن له كرامة، وتكون له بذلك أولوية مطلقة في الرعاية والإنفاق العام والخاص.

بورصة انفو: الموقع الرائد لأخبار الذهب ، العملات ، البورصات. مع تحليلات