البحث عن الأسواق والنفوذ في العالم

في ضوء المنافسة الاقتصادية الدولية بين الصين وأميركا، وبحسب التقرير الذي أصدره مركز الأبحاث الأميركي والبنك الدولي ومعهد هارفرد كيندي ومعهد كييل للاقتصاد العالمي، فإنّ القروض التي منحتها الصين ارتفعت بين 2016 و2021، وهي الفترة التي تركّز فيها 80 في المائة من المبلغ الإجمالي الذي مُنح على مدى عشرين سنة، إذ إن الصين طوّرت نظام إنقاذ طرق الحرير الجديدة الذي يساعد الدول المستفيدة على تجنّب التخلف عن السداد ومواصلة تسديد قروضها على الأقل على المدى القصير، إذ إن هذه الحالات تكثفت في السنوات الماضية في إطار من ارتفاع التضخم ونسب الفوائد، وكذلك الأثر الاقتصادي لجائحة «كوفيد – 19»، ومقارنة مع صندوق النقد الدولي ودعم السيولة الذي يقدّمه «الاحتياطي الفيدرالي الأميركي»، يبقى حجم قروض الإنقاذ التي تقدّمها الصين أقل مما تقدمة أميركا، لكنّه يزداد بسرعة، كما أوضحت الوثيقة.
قدمت الصين قروضاً وصلت نسبة الفائدة عليها إلى 5 في المائة في المتوسط، مقابل 2 في المائة لفوائد صندوق النقد الدولي، إذ إن الصين استهدفت عدداً محدوداً من المستفيدين المحتملين، إذ إن قروض الإنقاذ الصينية توجهت بشكل كبير لدول من طرق الحرير الجديدة ذات دخل ضعيف أو متوسط، والتي لديها ديون كبرى لدى المصارف الصينية، إذ وافقت الصين على إعادة جدولة قروضها مثلاً لسريلانكا، ممهدة الطريق أمام الإفراج عن خطة إنقاذ من صندوق النقد الدولي بقيمة 2.9 مليار دولار.
إن المبادرة التي أطلقتها الصين تهدف إلى تحسين العلاقات التجارية بين آسيا وأوروبا وأفريقيا وحتى أبعد من ذلك عبر بناء موانئ وسكك حديدية ومطارات ومجمّعات صناعية، وهذه البنى التحتية تتيح للصين الوصول إلى مزيد من الأسواق وفتح منافذ جديدة لشركاتها، إذ إن هذا المشروع الذي انضمت إليه أكثر من 150 دولة، ومن ضمنها 19 دولة عربية، يواجه انتقادات على الصعيد الدولي بسبب المديونية التي تعاني منها الدول الفقيرة.
يشار إلى أن الصين قدّمت على مدى السنوات العشرين الماضية 240 مليار دولار قروضَ إنقاذ إلى 22 دولة نامية تواجه خطر التخلّف عن سداد ديونها، وذهبت كل هذه الأموال تقريباً إلى دول تشكل قسماً من طرق الحرير الجديدة، لا سيّما سريلانكا وباكستان وتركيا.
وبحسب الوثيقة التي أطلقتها الصين تحت عنوان «نظام عالمي جديد لإنقاذ إقراض الدول المثقلة بالديون»، يظهر أن الصين تبنت أول مجموعة بيانات شاملة حول عمليات الإنقاذ الخارجية للصين بين عامي 2000 و2021، وتوفر رؤى جديدة لدورها المتنامي في النظام المالي العالمي، إذ إن خط المبادلة العالمية يتم من خلاله استخدام الشبكة التي وضعها بنك الشعب الصيني بشكل متزايد باعتباره آلية إنقاذ مالي لأكثر من 170 مليار دولار من دعم السيولة للدول التي تمر بأزمات.
يذكر أن الوثيقة تبين أن القروض الخاصة بالمقرضين الدوليين المعروفين بوصفها ملاذاً أخيراً، غير شفافة، وتحمل نسبياً أسعار فائدة مرتفعة، وتستهدف بشكل حصري تقريباً المشمولين بمبادرة «الحزام والطريق» الصينية، حسب التقرير، إذ إن النتائج لها آثار على البنية المالية والنقدية الدولية، التي أصبحت متعددة الأقطاب وأقل مؤسسية وشفافية.
وهنا في هذا المقام، لا بد من تسليط الضوء على تصريحات مديرة صندوق النقد الدولي، حيث ركزت على أنه على الدول التي تتمتع بوضع أقوى نسبياً، مساعدة الدول الضعيفة، خصوصاً تلك المثقلة بالديون، إذ إن مثل هذه المساعدة مهمة بشكل خاص في ظل ارتفاع أسعار الفائدة وانخفاض قيمة العملات.
وفي الختام، لا بد من التوضيح أن نظام القروض المتبع من أميركا والصين يأتي في سياق البحث عن الأسواق والنفوذ في العالم، والسعي نحو زيادة حجم الاقتصاد في كلا القطبين، علماً أن حجم الاقتصاد الأميركي يبلغ 23.3 تريليون دولار، ويمثل 24.1 في المائة من الاقتصاد العالمي، وتأتي الصين في المرتبة الثانية بحجم اقتصاد 17.7 تريليون دولار ويمثل 18.3 في المائة من الاقتصاد العالمي عام 2021، وهو العام الذي بلغ فيه حجم الناتج المحلي الإجمالي في العالم 96.53 تريليون دولار، بحسب بيانات الحسابات القومية للبنك الدولي.

د. ثامر محمود العاني
مدير إدارة العلاقات الاقتصادية بجامعة الدول العربية – أستاذ الاقتصاد القياسي بجامعة بغداد سابقاً