معضلة الفدرالي الأميركي.. انقسام التوقعات بعد بيانات مُربكة

تشهد الأروقة الاقتصادية والمالية في الولايات المتحدة حالة من التباين الحاد في وجهات النظر حول المسار المستقبلي لأسعار الفائدة التي يحددها مجلس الاحتياطي الفدرالي (البنك المركزي الأميركي).

وفي الوقت الذي تضغط فيه أصوات داخل الفدرالي باتجاه تشديد السياسة النقدية فوراً لكبح جماح التضخم، يرى محللون ومستثمرون في الأسواق المالية أن الفدرالي قد يتجه إلى التمهل وإبقاء الفائدة عند مستوياتها الحالية حتى نهاية العام، نظراً لارتباط الضغوط التضخمية الراهنة بعوامل جيوسياسية وطاقوية خارجة عن نطاق أدوات البنك المركزي.

وتأتي هذه التصريحات والمتغيرات في أعقاب آخر قرار أصدره مجلس الاحتياطي الفدرالي بشأن أسعار الفائدة، حيث تقرر الإبقاء على الفائدة دون تغيير ضمن النطاق المرتفع، مع استمرار انقسام أعضاء لجنة السوق المفتوحة الاتحادية (FOMC) بين معسكرين: الأول يطالب بالرفع لمواجهة التضخم، والثاني يفضل الترقب لتجنب إبطاء النمو الاقتصادي.

وبالتوازي مع ذلك، كشفت بيانات التضخم في الولايات المتحدة المعلنة قبيل أيام عن استمرار عناد الضغوط السعرية؛ إذ أظهر مؤشر أسعار المستهلكين (CPI) ومؤشر أسعار المنتجين (PPI) أن معدل التضخم السنوي لا يزال أعلى من المستهدف الرئيسي للبنك المركزي البالغ 2%.

ويعزز هذا المشهد حالة الغموض حول الخطوة المقبلة لمركز القرار النقدي.

وتتصدر بيث هاماك، رئيسة بنك الاحتياطي الفدرالي في كليفلاند، الأصوات الداعية إلى التحرك السريع.

وفي كلمة لها أمام غرفة تجارة منطقة دايتون، أكدت هاماك على ضرورة قيام البنك المركزي برفع أسعار الفائدة فوراً لخفض التضخم، محذرة من أخطار التمهل.

وقالت: “من الضروري للغاية أن نتحرك الآن لإعادة التضخم إلى المستوى المستهدف.. فكلما استمر التضخم أعلى من المستهدف لفترة أطول، كلما أصبح من الصعب إعادته للانخفاض، وزاد حجم تأثيره السلبي الذي يشعر به الأفراد والشركات”.


وتُعد هاماك من أبرز الصقور داخل الفدرالي، حيث كانت واحدة من ثلاثة أعضاء معارضين في اجتماع يونيو الذين صوتوا لصالح زيادة الفائدة، معربة عن توقعاتها بالحاجة إلى عدة زيادات متتالية للسيطرة على الأسعار.

وفي المقابل، يرى جلين سميث، رئيس الاستثمار التنفيذي في شركة “جي دي إس ويلث مانيجمنت” (GDS Wealth Management)، أن بيانات التضخم الأخيرة — بما فيها قراءة مؤشر أسعار المنتجين الصادرة مؤخراً — غير كافية لدفع الفيدرالي نحو رفع الفائدة مجدداً.

ويرى سميث أن التضخم الحاضر يرتبط إلى حد كبير بتعقيدات جيوسياسية وضغوط في سلاسل إمداد الطاقة، وهي ملفات لا يملك الفيدرالي أدوات مباشرة للسيطرة عليها.

وأضاف: “بيانات مؤشر أسعار المنتجين الصادرة يوم الخميس وحدها لا تغير حسابات الاحتياطي الفدرالي؛ إذ إن السيطرة على مشهد التضخم في الوقت الحالي تتطلب التوصل إلى حل في الشرق الأوسط، أو إنشاء خطوط أنابيب للتقليل من الاعتماد على مضيق هرمز، وهي أمور لا يملك الفيدرالي أي نفوذ عليها.. وفي الوقت الحالي، من المرجح أن يبقي الاحتياطي الفدرالي أسعار الفائدة ثابتة حتى نهاية العام.”

ويعكس الجدل القائم المعضلة الرئيسية التي تواجه الفيدرالي الأميركي خلال النصف الثاني من عام 2026: هل يتم تشديد السياسة النقدية بناءً على الأرقام الحالية للتضخم، أم يتم تثبيت الفائدة انتظاراً لانفراج الأزمات الجيوسياسية والعوامل الخارجية المؤثرة على أسواق الطاقة والتوريد؟ وبناءً عليه، تتجه أنظار الأسواق العالمية نحو الاجتماعات القادمة للجنة السوق المفتوحة لتحديد المسار النهائي للفائدة حتى نهاية العام.