تشهد أسواق الأسهم الأوروبية طفرة قوية. لكن هذا لا يعني أن أوروبا نفسها تشهد طفرة مماثلة.
فمن الناحية التقليدية، يُعد الرهان على الأسهم الأوروبية في الواقع رهاناً على النمو في أماكن أخرى من العالم، إذ تحصل الشركات المكونة لمؤشر “ستوكس أوروبا 600″، الذي ارتفع بنحو 12% هذا العام، على نحو نصف إيراداتها من خارج القارة، وفقاً للجهة المالكة للمؤشر. في المقابل، يجني مؤشر “إس آند بي 500” الأميركي أقل من 30% من إيراداته من الخارج.
يمثل ذلك، جزئياً، خبراً جيداً. فالاتحاد الأوروبي موطن لشركات تتفوق عالمياً في قطاعات السلع الفاخرة والأدوية والهندسة، وتنتج سلعاً تحظى بتقدير في مختلف أنحاء العالم. أما الجانب السلبي، فهو أن حالة سوق الأسهم الأوروبية لم تكن يوماً مؤشراً جيداً على صحة اقتصادها، ولا سيما عند استخدامها مقياساً للطلب المحلي على السلع والخدمات.
تهيمن حالياً حفنة من شركات التكنولوجيا على سوق الأسهم الأميركية، في حين تضم أوروبا شركات راسخة من الاقتصاد القديم تتسم بأنها “كثيفة الأصول ومنخفضة التقادم”. لذلك، تجعل فترات الحماس أو التشاؤم حيال الذكاء الاصطناعي إحدى السوقين تبدو أكثر جاذبية من الأخرى بشكل مؤقت.
لكن هذه الديناميكية تحديداً تكشف أن الفارق بين الولايات المتحدة وأوروبا أعمق بكثير من مجرد التركيبة القطاعية لأسواقهما.
فعادةً ما تتحدد خيارات المستثمرين بشأن الأسهم الأوروبية بما يحدث في أماكن أخرى، وليس بسبب تغير ما داخل القارة نفسها. فعلى سبيل المثال، تستفيد شركات الهندسة التي توفر المعدات الأساسية لمراكز البيانات، مثل “شنايدر إلكتريك” (Schneider Electric SE) الفرنسية، من الهوس بالذكاء الاصطناعي. لكن الطلب على هذه المعدات تقوده الولايات المتحدة وآسيا.
شركات أوروبا والركود
خلال العقود الماضية، أخفى نجاح الشركات الأوروبية عالمياً انزلاق التكتل نحو الركود المحلي. وكان قادة الشركات ومساهموها راضين بما يكفي، ما سمح لساسة القارة بتجنب الخيارات الصعبة، انتخابات تلو الأخرى، بشأن كيفية تعزيز الطلب المحلي. ويظل معدل نمو التكتل، الذي اقترب من 1% خلال العام الماضي، مؤشراً أدق من “ستوكس أوروبا 600”.
صحيح أن الضغوط من أجل الإصلاح تبدو وكأنها تكتسب زخماً، لكن يجري تأطيرها من منظور السيادة والقدرة التنافسية الصناعية، وليس فقط الازدهار الوطني البسيط كما هي الحال في أميركا.
كما أن هذا الحماس الجديد للتغيير لم يظهر إلا بعدما أصبح من المستحيل تجاهل التهديدات الاقتصادية والعسكرية القادمة من الصين وروسيا. ولا يزال قادة أوروبا من دون إجابة عن السؤال المحوري: ما الذي سيدفع اقتصاداتهم تحديداً؟. حتى الآن، كانت الإجابة الافتراضية: “النمو في أماكن أخرى”. لكن ماذا لو توقف ذلك عن العمل؟
يكفي النظر إلى تلاشي الإقبال الصيني على السيارات الألمانية. فخلال وقت قريب، قد لا تتمكن الشركات الأوروبية من بيع حقائب اليد في شنغهاي، أو أدوية إنقاص الوزن في أوهايو، أو التوربينات في الأسواق الناشئة، سواء بسبب الحمائية التقليدية أو لأن غير الأوروبيين بدأوا ببساطة في إتقان صناعة هذه المنتجات بالقدر نفسه. وعندما يحدث ذلك، لن يكون أمام قادة القارة خيار سوى اكتشاف كيفية إطلاق قدر من الديناميكية الاقتصادية الخاصة بهم، بدلاً من استيراد النمو.
يسبقهم المستثمرون بالفعل. فمنذ أن أعلن الرئيس دونالد ترمب أول حزمة من رسومه الجمركية في أبريل 2025، تفوقت الأسهم الأوروبية التي تركز على السوق المحلية بفارق كبير على نظيراتها ذات التركيز العالمي. وتراوح الفارق بين الفئتين هذا العام بين 7 و10 نقاط مئوية.
انعزال الشركات الأوروبية
نعم، الدولار أضعف، وهو ما يضر بالمصدرين الأوروبيين. لكن الدافع الأكبر هو تشاؤم المستثمرين؛ إذ يخشون أن يؤدي التحول الجيوسياسي الذي أحدثه ترمب إلى عزل الشركات العالمية في الاتحاد الأوروبي عن البلدان التي تحقق فيها حالياً جانباً كبيراً من أرباحها.
توجد، بطبيعة الحال، بعض بواعث التفاؤل أيضاً. فربما يؤدي ارتفاع الإنفاق على البنية التحتية والدفاع إلى تعزيز الطلب المحلي. كما يُفترض أن يدعم سعي القارة إلى الاستقلالية الاستراتيجية سلاسل الإمداد الداخلية. ويبدو نموذج الرأسمالية الأوروبية الأكثر هدوءاً، واحترامها للقواعد والقانون، أكثر جاذبية في عصر ترمب.
في كلتا الحالتين، لم يعد بإمكان صناع القرار في أوروبا التهرب من المشكلة. فقارتهم تتقدم في العمر، وتفتقر إلى الثقة، وتعاني فرط التنظيم. لكن الدفعة الكبرى المقبلة للنمو يجب أن تأتي من الطلب المحلي.
لم يعد فتح خزائن الحكومات على مصراعيها خياراً متاحاً. وكما أشار “البنك المركزي الأوروبي”، فإن ألمانيا وحدها تملك ما يكفي من الأموال للإنفاق بسخاء، فيما لن تضيف خطط الإنفاق الحالية في منطقة اليورو سوى قدر ضئيل للغاية إلى النمو. ويحذر محللو البنك المركزي الأوروبي، بنبرة متشائمة، من استمرار خسارة شركات السوق الموحدة حصتها في الأسواق العالمية.
على مدى عقود بعد الحرب العالمية الثانية، نمت أوروبا من خلال إعادة الإعمار. ثم حققت النمو عبر التصدير، وأخيراً عبر الاقتراض. ولم يتبق في جعبتها سوى ورقة واحدة: 450 مليون شخص ما زالوا يعيشون داخل حدودها.
فإذا كان الانتعاش المستمر منذ عام في الأسهم التي تركز على السوق المحلية سيستمر، فعلى الاتحاد الأوروبي أن يساعد مواطنيه في أن يصبحوا مستهلكين أكثر تفاؤلاً، ورواد أعمال أكثر جرأة، ومستثمرين أكثر ميلاً إلى دعم اقتصاداتهم المحلية. وإذا نجح في ذلك، فبعد عقد من الآن سيكون المستهلكون الأوروبيون هم من يدفعون شركات القارة، وأوروبا نفسها، إلى الأمام.