تقييم لاغارد قبل نهاية شهر تمّوز

عام 2013 كانت #اليونان تشكو من أزمة كبيرة على صعيد الاقتصاد والقدرة على التجاوب مع سياسات #البنك المركزي الأوروبي الذي كان يرأسه حينئذٍ ماريو دراغي الذي أعلن في حينه، رغم معارضة ممثلي الألمان في مجلس إدارة البنك المركزي الأوروبي، أن على البنك إقرار السياسات التي تسهّل تجاوز الأزمة المستحكمة في حينه باليونان، والى حدّ أقل، البرتغال والاقتصاد الايرلندي الذي نما بسرعة نتيجة خفض معدلات الضريبة على أرباح الشركات الكبرى واندفاع العديد من شركات المعلوماتية والمصارف الى تأسيس وحدات ناشطة في إيرلندا.

اليوم الوضع مختلف لأسباب متعدّدة. فالنموّ تراجع الى حدّ بعيد بسبب أزمة الكورونا التي تسببت باختناق وسائل توزيع المنتجات سواء منها المنتجات الزراعية أو قطع الغيار الأساسية لوسائل النقل والمصانع كما انخفضت نسب العمّال الناشطين في المؤسسات هرباً من العدوى. وهذه الوضعية دفعت العديد من البلدان الى الإجازة لموظفيها الرسميين إما العمل من المنزل اعتماداً على وسائل الاتصال الحديثة، أو اختصار أيام العمل في الاسبوع.

 

كل ذلك، إضافة الى انطلاق حرب روسيا على أوكرانيا، واستمرار واشتداد الحرب، أمور أسهمت في توتير الاوضاع الدولية ورفع أسعار النفط ومشتقاته بسرعة وارتفاع أسعار الغاز بصورة أكبر.

الجوّ كان مختلفاً في شهر تموز وخلال انعقاد مؤتمر دولي لحكام البنوك المركزية في البرتغال، وقد شدد رؤساء البنوك المركزية على ضرورة مجابهة ضغوط التضخم وتقلص حجم الإنتاج وانخفاض توقعات النمو الى مستوى 1% في غالبية البلدان الاوروبية بعدما كان التوقع أن يكون النمو على مستوى 3-3.5%، وأصبح هنالك تفارق ما بين توجّهات الولايات المتحدة المتشددة تجاه روسيا والمساندة لأوكرانيا بما في ذلك منحة مالية تجهيزية على مستوى 44 مليار دولار إضافة إلى تجهيزات عسكرية تزيد قيمتها على 1.5 مليار دولار.

الألمان، والفرنسيون، والإيطاليون، بالتأكيد اعتبروا أن مصالحهم متضررة وقد سارعوا الى تبنّي خطوات لاختصار استهلاك الطاقة في أشهر الشتاء المقبل، كما أن اعتماد إيطاليا – التي تمر في أسوأ أزمة اقتصادية بين الدول الاوروبية – على الغاز الروسي لا يمكن إلغاؤه وتبدو الصورة مشابهة في ألمانيا، وفرنسا، وعلى العكس من الدول الاوروبية هنالك ثلاث دول تستفيد من استمرار القتال، واحدة منها النروج لأنها تصدّر كميات ملحوظة من الغاز والنفط، والمستفيد الأكبر هو الولايات المتحدة حيث نموّ العمالة مستمرّ، وسعر صرف الدولار مقابل اليورو ارتفع بنسبة 20% في وقت قصير، والمملكة العربية السعودية أكبر دولة مصدرة للنفط استفادت من ارتفاع أسعار النفط الخام والمشتقات وأصبحت شركة آرامكو السعودية أكبر شركة نفط في العالم برأسمال يتجاوز تريليوني دولار.

وسط هذه الاجواء، إضافة الى أن #كريستين لاغارد كانت قد نبهت منذ صيف 2021 الى أن مديونية البلدان الصناعية تتجاوز المردود المقبول وأن من الضروري ضبط عجز موازنات غالبية الدول الصناعية وتقليص توافر الدعم النقدي لدول الاتحاد الأوروبي واستمرار دعم الشركات بشراء أسهمها من قبل البنوك المركزية التي كل ما تفعله طبع العملة للإسهام في إصدارات سندات جديدة.

قبل نهاية شهر تموز كان المناخ قد تغير – ونذكر أن كريستين لاغارد – أشارات الى ضرورة ضبط التسهيلات المالية للدول الاعضاء في السوق قبل سنة.

المفاجأة كانت أن صندوق النقد الاوروبي رفع معدل الفوائد قبل نهاية شهر تموز بنسبة نصف من واحد في المئة ولم تكن الخطوة متوقعة لأن صندوق النقد الاوروبي حافظ دائماً على سياساته التسهيلية من عام 2013 وبالتالي ظهرت الخطوة وكأنها تمثل تبدلاً في فلسفة ومناهج صندوق النقد الاوروبي والواقع هو كذلك.

أكدت كرستين لاغارد أن سياسة البنك المركزي الاوروبي من الآن وصاعداً تستند الى الإحصاءات المتوافرة حول النشاطات الاقتصادية، وحسب تأكيد رئيسة صندوق النقد الأوروبي فإن القرارات ستراجع شهرياً وستقر خطوة خطوة بدراسة معمقة للتأثيرات الاوروبية والدولية.
استناداً الى مناخ التحليل والاوضاع الاقتصادية خاصة في أوروبا، فإن البنك الاوروبي في اجتماعه المقبل سيسعى الى تنسيق سياساته مع التوجهات الدولية العامة.

رأى عدد من المحللين الاقتصاديين والمصرفيين أن السياسة الجديدة للبنك المركزي الاوروبي لا تتناسب مع الانكماش الاقتصادي وارتفاع معدلات التضخم واستمرار مفاعيل القروض القائمة.

على سبيل المثال، كان ماريو دراغي قد حصل على التزام من البنك الاوروبي بقرض يبلغ 40 مليار يورو يوفر خلال مدة سنتين وقد توافر منه حتى تاريخه 19 مليار يورو، واليوم بعد استقالة دراغي من رئاسة الوزراء وفشله في الحصول على غالبية نيابية تساند مشاريعه، السؤال هو: الى أي حد ستؤثر الازمة الايطالية على الاتحاد الاوروبي وأوضاعه الاقتصادية التي تعاني من تأثيرات انتشار الكورونا وتراجعها ومخاوف الناس من الاوبئة؟ والجدير بالذكر أن الدول الاوروبية التي أقرت إجراءات وقائية كانت قليلة العدد. فألمانيا على سبيل المثال التي ودّعت ميركل بأجمل وداع وشكر جماهيري تأخذ على المستشارة السابقة أنها لم تشجع على تبنّي السياسات الوقائية المطلوبة، ولا شك في أن هنالك دولاً أوروبية تعاني من نتائج النقص في العلاج وأكلاف الاعتكافات لتفادي الاصابات على مستوى الأداء الاقتصادي والصحّي الإجمالي.

مروان اسكندر