لا تتركوا عمالقة التكنولوجيا يخفون ما يفعلونه بنا

نحن نعيش عصر ثورة المعلومات. وقد استبدل بحراس بوابات المعرفة التقليدية – من أمناء المكتبات والصحافيين والمسؤولين الحكوميين – بدرجة كبيرة حراس البوابات التكنولوجية، ومحركات البحث، وروبوتات الذكاء الاصطناعي، ومغذيات وسائل التواصل الاجتماعي.

أيا كانت عيوبهم، فإن حراس البوابات القدامى، على الورق على الأقل، يدينون بالفضل لعامة الناس. وحراس البوابات الجدد مدينون بالأساس لتحقيق الربح فقط وللمساهمين في هذه الشركات. والآن، يوشك هذا الواقع على التغير، وذلك بفضل تجربة جريئة نفذها الاتحاد الأوروبي.

مع بدء سريان الأحكام الرئيسية في 25 أغسطس (آب)، فإن حزمة طموحة من قواعد الاتحاد الأوروبي، وهي قانون الخدمات الرقمية وقانون الأسواق الرقمية، هي أكثر الجهود شمولا تجاه التحقق من قوة التكنولوجيا الكبرى (بعد الحظر الصريح في أماكن مثل الصين والهند). وللمرة الأولى، يتعين على منصات التكنولوجيا الاستجابة لعامة الناس بطرق لا تعد ولا تحصى، بما في ذلك منح المستخدمين الحق في الاستئناف عند إزالة المحتوى الخاص بهم، وتوفير خيار من الخوارزميات، وحظر الاستهداف الدقيق للأطفال والبالغين استنادا إلى بيانات حساسة مثل الدين، والعرق، والتوجه الجنسي. وتُلزم الإصلاحات أيضا منصات تكنولوجية كبيرة بمراجعة خوارزمياتها لتحديد كيفية تأثيرها على الديمقراطية، وحقوق الإنسان، والصحة البدنية والعقلية للقاصرين وغيرهم من المستخدمين.

سوف تكون هذه المرة الأولى التي يُطلب فيها من الشركات تحديد ومعالجة الأضرار التي تسببها منصاتهم. وللمساءلة، يتطلب القانون أيضا منصات تقنية كبيرة مثل «فيسبوك» و«تويتر» تزويد الباحثين بإمكانية الوصول إلى البيانات الآنية (في الوقت الفعلي) من منصاتهم. لكن هناك عنصر حاسم لم يُقرره الاتحاد الأوروبي بعد، ألا وهو ما إذا كان الصحافيون سوف يتمكَّنون من الوصول إلى أي من تلك البيانات.

كان الصحافيون تقليديا عند الخطوط الأمامية لإنفاذ القانون، يشيرون إلى الأضرار التي قد يُوسع الباحثون نطاقها، وقد تعمل الأجهزة الرقابية وفقا لها. كشفت صحيفة «نيويورك تايمز» وصحيفة «الأوبزرفر» اللندنية عن فضيحة شركة «كمبردج أناليتيكا»، التي علمنا فيها كيف استغل المستشارون في حملة دونالد ترمب الرئاسية بيانات ملايين المستخدمين على موقع «فيسبوك» من دون إذنهم. وقد أوردت وكالة «باز فيد» الإخبارية تقريراً حول التعليقات المسيئة التي أوضحت دور «فيسبوك» في تمكين مذبحة الروهينغا في ميانمار. لقد كشف فريقي في موقع «بروببليكا» الإخباري كيف أن «فيسبوك» يسمح للمعلنين بالتمييز في إعلانات التوظيف والإسكان.

لكن الحصول على البيانات من المنصات أصبح أكثر صعوبة. وكان موقع «فيسبوك» عدوانيا بشكل خاص، حيث أغلق حسابات الباحثين في جامعة نيويورك عام 2021 بسبب «وسائل غير مرخصة» للوصول إلى إعلانات «فيسبوك». وفي ذلك العام، هددت «فيسبوك»، بشكل قانوني، مجموعة بحثية أوروبية تُدعى «ألغوريثم واتش» (المعنية بمراقبة الخوارزميات)، وأجبرتها على إغلاق مشروع مراقبة منصة «إنستاغرام». وفي وقت سابق من الشهر الحالي، شرعت شركة «تويتر» في الحد من قدرة جميع مستخدميها على مشاهدة التغريدات، فيما وصفته الشركة بأنه محاولة لمنع جمع المعلومات آليا من موقع «تويتر» بواسطة وسائل الذكاء الاصطناعي، فضلاً عن الروبوتات، والمتراسلات الإلكترونية العشوائية، وغيرها من «العناصر السيئة».

من جهة أخرى، أغلقت شركات التكنولوجيا أيضا الوصول المرخص إلى برامجها. وفي عام 2021، فككت «فيسبوك» الفريق الذي أشرف على أداة التحليلات المسماة «كراود تانغل»، التي استخدمها الكثير من الباحثين لتحليل الاتجاهات. وفي العام الحالي، استبدلت «تويتر» بأدوات الباحثين المجانية نسخة مدفوعة الأجر باهظة التكاليف ولا يمكن الاعتماد عليها. نتيجة لذلك، صار الرأي العام أقل وضوحا من أي وقت مضى حول كيفية تصرف حراس بوابات المعلومات العالمية لدينا.

طرح السيناتور الأميركي كريس كونز، الشهر الماضي، «قانون المساءلة والشفافية»، وهو تشريع من شأنه مطالبة شركات وسائل التواصل الاجتماعي بمشاركة المزيد من البيانات مع الباحثين، وتوفير حصانة للصحافيين الذين يجمعون البيانات للمصلحة العامة، مع حماية معقولة للخصوصية.

لكن في الوقت الحالي، تعتمد جهود الاتحاد الأوروبي للشفافية على الأكاديميين الأوروبيين، الذين سوف يتقدمون بطلب إلى هيئة تنظيمية للحصول على البيانات من المنصات، ومن ثم، نأمل أن يصدروا تقارير بحثية بعد ذلك.

هذا ليس كافياً. ولكي تتحمل هذه المنصات المسؤولية الحقيقية، يتعين علينا دعم الصحافيين الذين يقفون على الخطوط الأمامية في سرد الكيفية التي يُسلّحُ بها الطغاة، والمتصيدون، والجواسيس والمسوقون، وحشود الكراهية المنصات التكنولوجية، أو السماح لهم باستخدامها.

تدير ماريا ريسا، الحائزة جائزة نوبل للسلام، موقع «رابلر»، وهو موقع إخباري في الفلبين كان في طليعة القائمين على تحليل كيف استخدم القادة الفلبينيون وسائل التواصل الاجتماعي لنشر المعلومات المضللة.

كما تقول دافني كيلر، مديرة برنامج تنظيم المنصات في مركز السياسة الإلكترونية في ستانفورد، في تعليقاتها أمام الاتحاد الأوروبي، إن السماح للصحافيين والباحثين باستخدام أدوات آلية لجمع البيانات المتاحة للجمهور من المنصات من أفضل الطرق لضمان الشفافية، لأنه «شكل نادر من أشكال الشفافية التي لا تعتمد على المنصات نفسها التي تجري دراستها لتوليد المعلومات أو العمل كحارس للبوابات المعلوماتية».

بطبيعة الحال، كثيرا ما تُقاوم منصات التكنولوجيا طلبات الشفافية بزعم أنها لا بد أن تحمي خصوصية مستخدميها. وهو زعم مُضحك، لأن نماذج أعمالهم تستند إلى التنقيب وتحويل البيانات الشخصية لمستخدميها إلى أموال. ولكن إذا ما وضعنا ذلك جانبا، فلن نجد ضلعا في هذا السياق يتصل بمصالح الخصوصية للمستخدمين: فالبيانات التي يحتاج إليها الصحافيون علنية بالفعل لأي شخص لديه حساب على هذه الخدمات.

ما يفتقر إليه الصحافيون هو الوصول إلى كميات كبيرة من البيانات العامة من منصات التكنولوجيا بُغية فهم ما إذا كان الحدث الواقع يمثل حالة شاذة، أو يمثل اتجاها أكبر. من دون ذلك المدخل، سوف نستمر في الحصول على ما لدينا الآن: الكثير من الروايات حول هذا الجزء من المحتوى أو ذلك المستخدم الذي تم حظره، ولكن لا معنى حقيقياً حول ما إذا كانت هذه القصص ذات دلالة إحصائية من عدمه.

الصحافيون يكتبون أول مسودة للتاريخ. إذا لم نتمكن من رؤية ما يحدث على أكبر منصات الخطابة في العالم، فإن هذا التاريخ سوف يُكتب لصالح المنصات – وليس الجمهور.

 

جوليا أنغوين