عندما يحدد مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي أسعار الفائدة، فإن العملية تنطوي عادة على تحقيق توازن بين هدفين: استقرار الأسعار والتوظيف الكامل.. إلا أن الارتفاع الحاد في أسعار الطاقة نتيجة الحرب في إيران، إلى جانب زيادة معدل البطالة في فبراير، يهددان بتعارض هذين الهدفين.
ومن المرجح أن يدفع ذلك مسؤولي الفيدرالي إلى تثبيت أسعار الفائدة خلال اجتماعهم المقرر اليوم، رغم أن التغيرات في الظروف الاقتصادية قد تؤدي إلى مزيد من الانقسامات بشأن أي من الأولويتين، التضخم أم التوظيف، أكثر أهمية.
ما هي مهمة التوازن لدى الفيدرالي؟
منذ عام 1977، منح الكونغرس الاحتياطي الفيدرالي تفويضاً مزدوجاً يتمثل في تعزيز استقرار الأسعار وتحقيق أقصى قدر من التوظيف لضمان اقتصاد قوي. عادة، عندما تصعد الأسعار، يرفع الفيدرالي أسعار الفائدة لكبح مزيد من التضخم. وعندما تزيد البطالة، يخفض الفائدة لتقليل كلفة الاقتراض وتحفيز التوظيف.
لكن خلال العام الماضي، شهدت سوق العمل الأميركية تباطؤاً في الوقت الذي ظل فيه التضخم مرتفعاً، في ظاهرة تعكس جزئياً تداعيات الزيادات السريعة في الأسعار خلال جائحة كورونا. كما أن فرض الرئيس دونالد ترمب رسوماً جمركية على شريحة واسعة من الواردات يهدد بدفع الأسعار إلى مزيد من الارتفاع، رغم أن رفض المحكمة العليا للأساس القانوني لغالبية تلك الرسوم ألقى بظلال من الضبابية على مستقبل سياسات الإدارة الجمركية.
في الوقت ذاته، أدت الحرب في إيران إلى قفزة في أسعار النفط، ما هدد بتعزيز الضغوط التضخمية عالمياً. كما بدأت اضطرابات سلاسل الإمداد الناتجة عن الحرب في تأخير تسليم السلع المستوردة، في حين قد تدفع أسعار الوقود المرتفعة المستهلكين إلى تقليص إنفاقهم.
ما هي أهداف الفيدرالي؟
لم يحدد صناع السياسات في الاحتياطي الفيدرالي هدفاً دقيقاً لمعدل البطالة، إذ يرون أن أدنى مستوى مستدام للبطالة لا يمكن تقديره إلا بشكل تقريبي ويتغير مع مرور الوقت. ويقدّر الفيدرالي حالياً هذا المستوى بنحو 4.2%. وإذا انخفض كثيراً عن ذلك، فقد يواجه الاقتصاد نقصاً في العمالة وارتفاعاً في الأسعار.
أما استقرار الأسعار، فكان موضوع نقاش عام أوسع. فبعد معركة مواجهة موجة التضخم في سبعينيات القرن الماضي، كان رئيس الفيدرالي الأسبق بول فولكر، يرى أن المستوى المناسب للتضخم يكاد يكون صفراً. في المقابل، دافعت جانيت يلين خلال سنوات عملها الطويلة في الفيدرالي، عن ضرورة توفير قدر من الوضوح بشأن معنى استقرار الأسعار، معتبرة أن على البنك المركزي تحمل زيادات متواضعة في الأسعار لدعم الأجور وتعزيز سوق العمل.
واعتمد الفيدرالي هدف التضخم عند مستوى 2% في يناير 2012، وهو الهدف الذي تمسك به منذ ذلك الحين.
ما التحديات التي يواجهها الفيدرالي لتحقيق أهدافه؟
تُعدّ الأهداف المتنافسة للفيدرالي أمراً غير مألوف بين البنوك المركزية حول العالم، إذ تُكلّف معظمها بمهمة وحيدة تتمثل في إبقاء التضخم قريباً من معدل محدد أو ضمن نطاق معين.
وأصبحت مهمة الفيدرالي أكثر تعقيداً في الأشهر الأخيرة. فإلى جانب الضبابية المحيطة بالرسوم الجمركية وأسعار النفط، يؤدي التشدد في سياسات الهجرة إلى تقليص أعداد العمال والمستهلكين، ما يصعّب تقييم معدل البطالة الذي يمكن للاقتصاد تحمّله دون توليد ضغوط تضخمية إضافية.
وتظهر هذه التوترات في البيانات الاقتصادية. إذ تشير المؤشرات الرئيسية للتضخم إلى استمرار ارتفاع الأسعار فوق هدف الفيدرالي. في الوقت نفسه، تراجعت الوظائف بشكل غير متوقع في فبراير، في إشارة إلى أن سوق العمل قد تكون أضعف مما كان يُعتقد سابقاً.
كل ذلك يضع الفيدرالي في موقف صعب، مع إدراكه أن خفض الفائدة بشكل كبير أو سريع قد يغذي مزيداً من ارتفاع الأسعار، بينما قد يؤدي تثبيت الفائدة إلى زيادة البطالة.
هل لدى الفيدرالي تفويض ثالث؟
أحياناً، يدفع النص الدقيق لقانون الاحتياطي الفيدرالي الصادر عام 1913، الذي أنشأ نظام الفيدرالي، البعض إلى التساؤل عما إذا كان البنك المركزي يمتلك فعلياً ثلاثة تفويضات، إذ ينص القانون على أن يسعى الفيدرالي إلى تحقيق “معدلات فائدة معتدلة طويلة الأجل” إلى جانب استقرار الأسعار وأقصى قدر من التوظيف.
ولفتت إشارة أحدث أعضاء مجلس إدارة الفيدرالي، ستيفن ميران، إلى هذه الصياغة خلال جلسة تثبيته في أوائل سبتمبر انتباه بعض مراقبي سوق السندات. وأثار ذلك تساؤلات بشأن ما إذا كان سيدفع ميران الفيدرالي إلى شراء السندات للمساعدة في خفض معدلات الفائدة طويلة الأجل، وهو إجراء غير تقليدي ينطوي على مخاطر تضخمية خاصة به.
لكن من غير المرجح أن يتبنى مسؤولون آخرون مثل هذه الخطة. إذ لم يصف الفيدرالي هذا الأمر يوماً بأنه تفويض ثالث، وينظر تقليدياً إلى تحقيق معدلات فائدة معتدلة طويلة الأجل باعتباره نتيجة طبيعية لتحقيق استقرار الأسعار والتوظيف الكامل.