تحديات صعبة أمام الطاقة الأوروبية

تعاني أسواق الطاقة العالمية أصعب تجربة مرت بها منذ عقود بسبب حرب أوكرانيا، والقرارات الأوروبية لمقاطعة الغاز والنفط الروسيين اللذين يشكلان عماد إمدادات الطاقة لأوروبا. ومن ثم رد الفعل الروسي بقطع الإمدادات الطاقوية إلى أوروبا.
كان من المستغرب في بادئ الأمر كيف تقاطع أوروبا الإمدادات الروسية؟! من المفهوم أن أوروبا أرادت أن تعبر عن دعمها لأوكرانيا واستهجانها للغزو الروسي، كما أن الولايات المتحدة كانت ولا تزال تضغط منذ عقود لفك الاعتماد الأوروبي على الإمدادات الغازية الروسية لأوروبا؛ لكن من غير المفهوم أن تقاطع دول صناعية المصدر الأساسي لمصدر طاقاتها الرئيسة، بتبني قرارات مستعجلة، دون التحضير اللازم مسبقاً للحصول على التعويضات. فقرار المقاطعة هذا غريب من نوعه، إذ إنه ضار للدول التي وافقت عليه قبل غريمها وأكثر. وهذا ما بدأ يحصل فعلاً مع تسييس ومقاطعة الغاز الروسي لأوروبا.
شعرت أوروبا بثقل عبء قراراتها هذه. وأول رد فعل هو الارتفاع الحاد في أسعار الكهرباء للمستهلك الأوروبي. وهذا ما تشير إليه بوضوح الزيادة الشهرية العالية على فاتورة كهرباء المنازل، ناهيك عن ارتفاعها على الشركات الصناعية والخدماتية، مما أخذ يزيد من التضخم في أوروبا.
بدأت الدول الأوروبية حالاً بعد اتخاذ قرارات المقاطعة الاتصال مع دول مصدِّرة للغاز، على غرار قطر والولايات المتحدة والجزائر ونيجيريا ومصر وإسرائيل. لكن -كما هو متوقع- فإن الطاقات الإنتاجية الإضافية لهذه الدول مجتمعة من الصعب أن تعوض الإمدادات الغازية الروسية الإضافية. هذا الأمر لا بد من أنه كان معروفاً لدى الخبراء والمسؤولين الأوروبيين عند اتخاذ القرار. كما أنه من المعروف أن الاتفاق السريع مع الدول أعلاه، سيعني معادلات سعرية أعلى مما كانت تدفعه الأقطار الأوروبية باتفاقاتها الطويلة المدى مع روسيا. وهذا ما أخذ يحصل الآن فعلاً. والاهتمام الأوروبي حالياً هو تخزين أكبر كميات ممكنة من الغاز قبل حلول فصل الشتاء؛ حيث الحاجة الماسة للتدفئة في حال برد قارس.
وتبادر الأقطار الأوروبية بتبني سياسات متعددة للالتفاف على الأزمة التي تعانيها الآن. فكانت هناك أولاً قرارات المقاطعة. وقد ردت موسكو بقرار مواجه لها من جانبها، بالمبادرة بقطع الإمدادات الغازية للصيانة ولوقت غير محدد، كما هو حاصل مع خط أنبوب «نورد ستريم- 1» الذي يزود ألمانيا ودولاً أخرى في الشمال الأوروبي بالغاز. سيكون من الصعب على ألمانيا المعتمدة كلياً على استيراد الغاز عبر الأنابيب، ومن دون منشآت وعقود لاستيراد الغاز المسال عبر الناقلات، أن تعوض الغاز الروسي بسهولة.
والجولة الجديدة للسوق الأوروبية المشتركة في معركة «تسييس الطاقة» هي فرض سقف سعري على صادرات النفط الروسية. تم إصدار قرار أوروبي مؤقت بهذا الصدد في شهر يونيو (حزيران) الماضي؛ لكن لم تتم متابعته أو تنفيذه فعلاً.
تفيد المصادر النفطية بأن الرئيس الأميركي جو بايدن أعاد إحياء الاقتراح في اجتماعات زعماء دول «مجموعة السبع» الأخيرة، لأجل استمرار الضغط على روسيا وريعها البترولي، وللحد من ارتفاع أسعار المنتجات البترولية في السوق الأميركية، ومعدلات التضخم العالية التي وصلت إلى معدلات قياسية، بالذات قبل حلول الانتخابات التشريعية في شهر نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل.
سيتم تنفيذ خطة الرئيس بايدن من خلال قرارات المقاطعة والحصار النفطي الثانوية الأميركية التي تؤهل وزارة المالية الأميركية لملاحقة ومعاقبة المصارف وشركات الشحن والتأمين التي تتعامل مع العقود الروسية، دون السقف السعري في الدول المستوردة. وتتأمل واشنطن أن يردع هذا القرار موسكو عن إمكانية الحصول على أسواق نفطية جديدة تعوض الأسواق الأوروبية.
لم تتبين حتى الآن ما هي قرارات المقاطعة الأميركية التي تنوي واشنطن تبنيها في عقوباتها. المعروف أن الشركات الروسية كانت على اتصال مع الشركات الصينية والهندية لاستيراد كميات إضافية من النفط بعد الحصار الأوروبي؛ حيث تعتبر روسيا مصدراً مهماً للنفط للدولتين الآسيويتين الكبريين.
من جانبها، قررت مصلحة الكهرباء الفرنسية (إي دي إف)، نظراً للضغوط التي يمارسها عليها وزير الطاقة، إعادة تشغيل 32 مفاعلاً نووياً عاطلاً عن العمل حالياً، للقيام بأعمال الصيانة وتشغيل المفاعلات هذه قبيل فصل الشتاء، بحسب صحيفة «فايننشيال تايمز». أدى توقف هذه المفاعلات وتوقف الغاز الروسي إلى شح موارد الطاقة في فرنسا، واضطرارها إلى استيراد الكهرباء من بريطانيا ودول مجاورة أخرى، كما ارتفعت أسعار الكهرباء.

وليد خدوري

من دولة المصالح المهترئة إلى الدولة المنتجة

إننا في لبنان اليوم محكومون بإعادة الهيكلية الداخلية الصارمة، وإعادة بناء الوطن وإدارته من القعر. هذه المتطلبات لم تعد خياراً لكنها أصبحت واجباً، والحل الوحيد لإعادة الدورة الإقتصادية. الترميم ليس صالحاً، لذا علينا البناء من الأساس، والإستراتيجية الأسهل والأفضل والأسرع، وهي أن نعمل عكس الخطط القديمة على نحو 180 درجة من العقود الأخيرة.

سنُركّز في هذا المقال على نقطتين أساسيتين حيال إعادة هيكلة الدولة اللبنانية، وهما: تقليص حجم الدولة، والتركيز على الموارد البشرية المجدية والتي لديها النية الصافية والقدرة التقنية لإعادة البناء على أسس متينة.

 

إذا ما نظرنا إلى الوراء، بالنسبة الى حجم الدولة اللبنانية مقارنة بالناتج المحلي، وعدد السكان في لبنان، نكتشف بوضوح أنّ هذه الموازنة القديمة وهذا الإستثمار بالموارد البشرية كان هائلاً مع مردود خجول، ليس سراً أنه كان تقريباً 15% من الشعب اللبناني، موظفاً أو مستفيداً بطريقة غير مباشرة من القطاع العام. فحجمُ الدولة كان أكثر بكثير من إمكاناتها الحقيقية، من معاشات أو إعاشات، واستفادات عشوائية بكلفة مرتفعة، ومردود ضئيل.

 

بكل موضوعية، لن نشمل كل موظفي القطاع العام، ونضع الجميع في سلة واحدة، لكن بعد سنوات من الهدر والفساد، أصبح الموظف المجدي والمنتج والشفاف ضحية، وليس له مكان في هذه الشِباك العنكبوتية.

 

التوظيف الحقيقي والمستدام كان لسوء الحظ، توظيفاً طائفياً، مذهبياً، حزبياً وخدماتياً وليس لخدمة الشعب، ولا لكي نبني ونؤهّل ونطوّر الدولة اللبنانية، ولم يكن مبنياً على الخبرات والإنتاجية والقدرات والحاجات، بعيداً عن خدمة الشعب، لكن كان مركزاً لخدمة بعض السياسيين ومصالحهم الإقطاعية والإنتخابية والخدماتية والمحسوبيات.

 

زيادة على ذلك، لا نغضُّ النظر عن بعض الموظفين الذين كانوا يتقاضون رواتب عدة من مؤسسات عامة عدة، حتى أنهم كانوا يجهلون مكان عملهم الأساسي، وحتى أنهم مراراً يكونون خارج الأراضي اللبنانية.

 

فمن جهة، كيف يُمكن إدارة الدولة بهذا المنطق التخريبي، والإستفادي الأناني؟ وكيف يُمكن للدولة تمويل هذا الحجم غير المجدي ولا المنتج؟

 

هكذا دُمّرت الدولة وانهار الهرم الوهمي، وبُني الإفلاس والإنهيار والعجز على مدى سنوات عديدة.

 

إنطلاقاً مما تقدم، إن إعادة الهيكلية الحقيقية وإعادة البناء المتين، والحجر الأساسي للإصلاح، يبدأ من تعزيز واستقطاب أهم الموارد البشرية الكفوءة والمجدية والمنتجة، لبدء هذه الورشة من الأساس.

 

بدءُ الإعمار هو جذب الناجحين والكفوئين والمبتكرين وخرّيجي الجامعات بتفوق، ليُديروا البلاد، وليس الإتكال على توظيف مَن ليس له عمل، في بعض الخدمات الإجتماعية والحزبية.

 

لسوء الحظ، بدلاً من أن تكون الدولة تبحث عن أهم الموارد البشرية، لإدارتها الشفافة، أصبحت مؤسسات الدولة هي الملجأ لمن ليس له عمل، ولمن يتّكل على السياسيين، ولمن يريد الإستفادة من الدولة بدلاً من أن يخدم الشعب.

 

في الخلاصة، إن إعادة بناء الدولة اللبنانية والإقتصاد يبدأ بتقليص حجم الدولة الحقيقي، واستقطاب وتوظيف أهم الموارد البشرية، الأكثر كفاءة ومهارة في تخصصاتهم، لإعادة البناء على أسس جديدة، وإذا بقي السياسيون على النهج والعقلية القديمة نفسها باستعمال الدولة كشركات إجتماعية خاصة بهم، لبعض المساعدات لجماهيرهم، ولمصالح انتخابية مذهبية وحزبية، والوعود والزيادات برواتب وهمية، سنبقى نحفر بالنفق المظلم ذاته.

د. فؤاد زمكحل